بوشعيب منعاريف
لم تعد الشكاوى المتزايدة الصادرة عن المرضى وذويهم بشأن ممارسات بعض المصحات الخاصة مجرد وقائع معزولة، بل تحولت إلى مؤشرات مقلقة تطرح علامات استفهام جدية حول أعطاب بنيوية داخل قطاع يفترض أن يقوم على تقديم العلاج وصون كرامة المريض.
ومع تواتر هذه الشهادات، تتعزز المخاوف من انزلاق بعض المؤسسات الصحية من منطق الخدمة العمومية إلى منطق تجاري محض، تقدم فيه الأرباح على حساب القيم المهنية.
وتتمحور أغلب هذه الشكاوى حول الارتفاع غير المبرر لفواتير العلاج، نتيجة اعتماد أساليب توصف بالممنهجة، تشمل المبالغة في تسعير الفحوصات الطبية والعمليات الجراحية، وإدراج خدمات لم يستفد منها المريض فعليا، إضافة إلى بيع الأدوية والمستلزمات الطبية بأثمان تفوق أسعارها المعمول بها في السوق.
وهي ممارسات تجعل المريض، في لحظة ضعف صحية ونفسية، أمام التزامات مالية ثقيلة يصعب مجاراتها.
وتزداد خطورة هذه الوضعية، بحسب معطيات متطابقة، مع تداول حديث واسع عن انتشار ما يُعرف بالنوار داخل بعض المصحات، حيث يطلب من المرضى أو أسرهم أداء مبالغ نقدية خارج أي مسطرة قانونية، مقابل تسريع التكفل الطبي، أو تحسين ظروف العلاج، أو تمكين المريض من مغادرة المصحة بعد انتهاء فترة الاستشفاء. ممارسات يعتبرها متضررون ابتزازا صريحا يتنافى مع أخلاقيات المهنة الطبية.
ولا تقف هذه التجاوزات عند الجانب المالي، بل تمتد إلى التحكم في الوثائق الطبية، إذ تشير إفادات إلى امتناع بعض المصحات عن تسليم ملفات المرضى أو نتائج الفحوصات والتحاليل إلا بعد تسديد المبالغ المطلوبة، في خرق واضح للقوانين الجاري بها العمل، والتي تضمن حق المريض في الولوج إلى ملفه الطبي دون شروط.
وفي ظل هذه المعطيات، يطرح متابعون تساؤلات حول مدى نجاعة آليات المراقبة والتقنين، بل وحول احتمال وجود اختلالات في علاقة بعض المصحات الخاصة بمؤسسات يفترض بها الإشراف والمراقبة، وعلى رأسها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، خاصة في ما يتعلق بالمصادقة على فواتير يلفها الغموض، أو التعويض عن خدمات تثير الكثير من علامات الاستفهام.
ورغم خطورة هذه المؤشرات، لا تزال تدخلات الجهات الوصية محدودة الأثر، ما يضع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، إلى جانب الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أمام مسؤولية جسيمة تستوجب الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المراقبة الصارمة، عبر افتحاص شفاف وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة.
إن استمرار هذه الاختلالات لا يهدد فقط القدرة الشرائية للمواطنين، بل يقوّض الثقة في القطاع الصحي الخاص ككل، ويعيد طرح سؤال جوهري : من يحمي المريض حين يتحول العلاج إلى معاملة تجارية، والمرض إلى فرصة للربح غير المشروع؟