بوشعيب منعاريف
لم يكن القرار سهلا ، ولم يتخذ في فراغ.
أمام الارتفاع المقلق لمنسوب مياه واد اللوكوس، وتداعيات تفريغ سد واد المخازن، وجدت
السلطات نفسها أمام معادلة قاسية لا تحتمل المناورة: إمّا القبول بخسائر مادية وما
يرافقها من احتقان اجتماعي، وإما المجازفة بأرواح بشرية ستكون كلفتها الأخلاقية والسياسية
أفدح.
في هذا السياق، جاء قرار الإجلاء القسري
لعدد من الأسر المهددة بالفيضانات كإجراء استباقي، بدا للبعض قاسيا أو متسرعا ، لكنه
في جوهره كان تعبيرا عن منطق الدولة حين توضع أمام خطر داهم لا يقبل التأجيل. فحين
يتعلق الأمر بالسلامة الجسدية للمواطنين، يصبح التدخل الحازم واجبا ، لا خيارا .
الحق في الحياة، باعتباره أسمى الحقوق،
لا يقبل المساومة، وفي لحظات الكوارث الطبيعية، تتراجع لغة الإقناع والتدرج، لتحل محلها
قرارات استثنائية تفرضها طبيعة الخطر وحدته. ذلك أن أي تردد في مثل هذه الظروف قد يتحول،
في لحظة، إلى مأساة كان بالإمكان تفاديها.
ومع ذلك، فإن الحزم وحده لا يكفي. فقرار
الإجلاء، مهما كانت مبرراته، يظل إجراءً مؤلما يقتضي مواكبته بتواصل واضح ومسؤول، وبضمانات
اجتماعية تحافظ على كرامة المتضررين، وتبدد الإحساس بالإكراه أو الإهمال. فالدولة،
وهي تختار أهون الضررين، مطالبة أيضا بأن تحسن شرح اختياراتها، وأن تتحمل تبعاتها كاملة.
إن ما جرى في القصر الكبير يعيد إلى الواجهة
سؤال تدبير المخاطر الطبيعية، وحدود المسؤولية بين الوقاية والاستجابة. فالكوارث لا
تختبر فقط جاهزية البنيات التحتية، بل تقيس أيضا قدرة الدولة على اتخاذ القرار الصعب
في الوقت المناسب، حتى وإن كان ثمنه غضبا مؤقتا ، بدل فواجع دائمة لا تغتفر.
في النهاية، اختارت الدولة أن تتحمل كلفة
الغضب، وأن تواجه الانتقادات، على أن تتحمل وزر خسارة الأرواح. وهو اختيار قد لا يرضي
الجميع، لكنه يظل، في ميزان الكوارث، الخيار الأقل كلفة والأكثر إنسانية