مع إقتراب كل محطة إنتخابية، يعيش المشهد السياسي على وقع ظاهرة أصبحت مألوفة لدى المواطنين، لكنها لا تزال تثير الكثير من علامات الإستفهام؛ إنها ظاهرة إنتقال بعض المنتخبين والبرلمانيين من حزب إلى آخر بسرعة تفوق سرعة تبديل المواقف، وكأن الإنتماء السياسي مجرد لون مؤقت يتم تغييره حسب إتجاه الرياح والمصالح.

فما إن تلوح في الأفق مؤشرات الإنتخابات حتى ينطلق ما يشبه "موسم الصيد السياسي"، حيث تتسابق الأحزاب لإستقطاب الأسماء القادرة على جلب الأصوات، بينما يجد بعض المنتخبين أنفسهم مستعدين لتغيير شعاراتهم وخطاباتهم وتحالفاتهم دون حرج، وكأن السنوات التي قضوها في الدفاع عن حزب معين لم تكن سوى مرحلة عابرة.

هذه التحركات تطرح سؤالًا مشروعًا لدى المواطن البسيط: إذا كان المنتخب قد تخلى بسهولة عن الحزب الذي أوصله إلى المناصب والمسؤوليات، فما الذي يضمن أنه لن يتخلى بالسهولة نفسها عن قضايا الساكنة وإنتظارات المواطنين؟ وإذا كانت المبادئ قابلة للتغيير عند أول فرصة سياسية، فكيف يمكن إقناع الناخب بوجود إلتزام حقيقي تجاه المصلحة العامة؟

إن الديمقراطية تحتاج إلى التنافس الشريف بين البرامج والأفكار، لا إلى سباق محموم لتغيير الألوان واليافطات. فالمواطن لم يعد يبحث عن منتخب يجيد التنقل بين الأحزاب، بل عن مسؤول ثابت على مواقفه، قريب من هموم الناس، حاضر في الأوقات الصعبة قبل مواسم الإنتخابات وبعدها.

لقد أصبح من حق المواطن أن يشكك، وأن يطرح الأسئلة، وأن يطالب السياسيين بالوضوح والإنسجام بين الأقوال والأفعال. فالثقة تُبنى بالتراكم والوفاء للإلتزامات، لا بالقفز من سفينة إلى أخرى كلما إقترب موعد الإقتراع.

وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي ليس على تغيير الألوان الحزبية، بل على تغيير العقليات والممارسات التي جعلت السياسة عند البعض مجرد رحلة بحث عن موقع أفضل، بينما ينتظر المواطن من يدافع بصدق عن قضاياه ويضع المصلحة العامة فوق كل إعتبار.