بقلم لعويسي عبد الرحيم
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المملكة المغربية، يجد الشباب المغربي نفسه أمام تحديات كبيرة، حيث يرفع صوته غاضباً من الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مطالباً بالتغيير والاستجابة لمطالبه، سنحاول في هذا المقال تقديم توضيحات بخصوص بعض الأسئلة السياسية والدستورية المطروحة على شباب زيد 212” ، وبحث سبل تحقيق التغيير المنشود.
أولاـ ليس من الضروري أن يكون الشباب المحتجون ملمين بالدستور أو بالفقه الدستوري حتى يعبروا عن غضبهم أو يطالبوا بإسقاط الحكومة، الذي هو تمرين ديمقراطي يمكن أن يحدث في أي بلد في العالم ،المطالب السياسية ليست حكرا على المتخصصين في القانون، بل هي حق أصيل لكل مواطن يشعر بالاختلال أو الظلم، ومن الخطأ أن يواجه هؤلاء الشباب بعبارات من قبيل "الملك لا يمكنه إقالة رئيس الحكومة" من الناحية الدستورية، لأن ذلك حدث فعلا سنة 2017 عندما تمت إقالة رئيس الحكومة المكلف عبد الإله بنكيران، وتم تعويضه بآخر من الحزب نفسه، بل إن بلاغ الديوان الملكي ذهب بعيدا في قراءة مضامين الدستور وهو يقول: "فضل الملك محمد السادس أن يتخذ هذا القرار السامي (أي تعيين شخصية أخرى من العدالة والتنمية) من ضمن كل الاختيارات المتاحة التي يمنحها له نص وروح الدستور" ورغم أنني شخصيا لا أؤيد هذا التأويل للدستور، كما لست بالضرورة مع هذا المسار في تدبير الأزمة، لأن المهم في نظري ليس تبديل حكومة بأخرى، إلا أن الواقعة نفسها تظهر أن السياسة في المغرب ليست معزولة عن إرادة الملك، وأن الشباب عندما يرفعون شعاراتهم فهم يستندون إلى وقائع فعلية، ويدركون حقيقة السياسة كما تجري في المغرب، وليسوا بالضرورة يجهلون بالدستور حتى ولو كانوا غير مطالبين أن يكونوا فقهاء فيه.
ثانياـ عندما ندعو الشباب إلى الحوار قد يكون ذلك من باب أن الحوار هو فضيلة وأن المجتمعات تتقدم بالحوار، لكن يبدو أننا لا ننتبه إلى أمرين: أولا، أن هؤلاء الشباب لا يشكلون تنظيما أو تنسيقية يمكن مخاطبتها رسميا، بل هم تعبير تلقائي عن وعي جماعي جديد وعن غضب اجتماعي يتجاوز الأطر التقليدية. وثانيا، أن مشكلتهم ليست في تشخيص الأوضاع أو عرض مطالبهم، فهذه المطالب معروفة وواضحة، وهي تعبر عن مشاكل حقيقية يعيشها المجتمع برمته: غلاء المعيشة، ضعف العدالة الاجتماعية، تدهور التعليم والصحة، وغياب الثقة في المؤسسات ،لذلك، ليست الحاجة إلى حوار بروتوكولي قد يشعر هؤلاء الشباب أن هدفه كسب الوقت أو امتصاص الغضب، أو تأجيل الحلول بدل البحث عنها، بل الحاجة الحقيقية هي إلى قرارات سياسية جريئة تترجم الاعتراف بالمشاكل المطروحة، وتعلن عن إجراءات ملموسة يمكنها أن تزرع الأمل وتجعل هؤلاء الشباب يشعرون أن رسالتهم وصلت وأن الفاعل السياسي جدي في التعاطي مع مطالبهم.
ثالثاـ من يطالب الشباب بتقديم "اقتراحات ملموسة" ربما يسيء فهم طبيعة دورهم ،هؤلاء الشباب ليسوا مكتب دراسات، ولا حزبا سياسيا يتقدم ببرنامج انتخابي أو نقابة لها ملف مطلبي،إنهم مواطنون يحتجون على أوضاع مختلة، ويشيرون إلى مواطن الخلل التي نعرفها جميعا.
مهمتهم ليست إنتاج السياسات العمومية، بل دق ناقوس الخطر. أما من تقع عليه مسؤولية الحلول، فهو من يتولى السلطة ويمتلك القرار السياسي والاقتصادي. وبالتالي، فإن مطالبة الشباب بالحلول قد تبدو كمحاولة غير مباشرة لتحميلهم مسؤولية الفشل الذي راكمته النخب الحاكمة، في حين أن دور الاحتجاج هو كشف الأعطاب، وليس تدبيرها.
رابعاـ عندما ندعو الشباب إلى الانخراط في الأحزاب السياسية، علينا أن نجيب على السؤال التالي: في أي أحزاب؟ هل في الأحزاب التي تحولت إلى أدوات لتصفية الحسابات الشخصية؟ أم تلك التي اختزلت العمل السياسي في الولاء والزبونية وتوريث المناصب داخل العائلات؟ أم في الأحزاب التي انشغلت بتبرير الفشل تحت شعار "العام زين" بدل مساءلة الذات وتجديد الخطاب؟ أم في الأحزاب السياسية التي قادت حكومات متعاقبة وفشلت في تقديم نموذج بديل للتدبير، بل ساهمت أحيانا في تعميق الأزمة عبر خضوعها لمنطق السلطة أكثر من التزامها بوعودها الانتخابية؟ الحقيقة أن الأزمة ليست في عزوف الشباب عن الأحزاب، بل في عزوف الأحزاب عن الشباب.
فالأحزاب فقدت روحها التربوية والسياسية، وأصبحت عاجزة عن استيعاب التحولات الجيلية والفكرية. المطلوب اليوم ليس أن ينخرط الشباب في أحزاب أغلبها ميتا، بل أن تستمع الأحزاب إلى نبض الشباب، في همومهم وأسئلتهم، وأن تعيد بناء شرعيتها من خلالهم، لذلك، فإن الإشكال ليس في الشباب الذي لم ينخرط في الأحزاب وإنما في النخبة الحزبية التي أغلقت بتصرفاتها أبواب مقرات أحزابها بإحكام في وجه الشباب ومطالبه وقيمه.
الحكومة مطالبة ببلورة جواب سياسي عاجل والتدخل لتفكيك هذه التجمعات وإيجاد حلول في التعليم والصحة والتكوين والشغل والإدماج والاحتضان، خصوصا الأطفال الصغار الذين يعيشون الآن مع جيرانهم وأشقائهم ويتأثرون بما يفعلون!!!
خطة إنقاذ جيل من التيه والفقر والتهميش والإقصاء يجب أن تكون أولوية الأولويات، يجب أن نتوقف عن كل شيء الآن في المغرب ونتفرغ جميعا لإعادة إدماج هذا الجيل في دورة التنمية الحقيقية.
الخطر يجب أن يقتلع من الجذور حتى لا تتكرر نفس المأساة بعد سنوات.
نصيحتي لشباب "زيد" هي ألا يستسلموا للفوضى والتخريب ،كل من يراهن على الفوضى لتصفية حساباته سيخيب ظنه ويفقد كل شيء.
هذا البلد، بفضل أبنائه المخلصين، سيظل دائمًا آمنًا ومستقرًا.
فلا تتركوا أنفسكم تتحكم فيها الأفكار السلبية والفوضى، بل كونوا أبناء بلدكم الحقيقيين، واحموا استقرارها وأمنها. نسأل الله أن يحفظ بلدنا ويحميه من كل مكروه.