ما يجري في برشيد ليس مجرد قرار إداري عابر، بل نموذج صارخ لكيفية الالتفاف على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. رئيس الشؤون الاجتماعية يتم عزله من منصبه، لكن دون أي أثر لمساءلة فعلية، ودون فتح تحقيق واضح، وكأن العزل كان الغاية، لا بداية كشف الحقيقة.
في دولة جعلت من الحكامة شعارا ومن المحاسبة ركيزة، يصبح هذا الصمت الرسمي مثيرا للريبة. كيف يتخذ قرار العزل، ثم يُترك المعني بالأمر يغادر المشهد بهدوء مريب، في وقت تتراكم فيه الشكايات والمعطيات حول اختلالات في التدبير؟ من قرر أن يُغلق الملف؟ ولمصلحة من؟
العزل، حين لا يتبعه تحقيق إداري  أو قضائي جاد ، يتحول إلى إجراء تجميلي، يهدف إلى امتصاص الغضب لا إلى تصحيح الأعطاب ، بل أكثر من ذلك، يصبح رسالة مشفرة لكل المسؤولين مفادها أن الخطأ قابل للتجاوز، وأن أقصى العقوبات الممكنة هي مغادرة المنصب دون مساءلة، ودون مساءلة تعني عمليا دون عقاب.
الغضب الذي يسود الشارع البرشيدي اليوم ليس وليد العزل، بل وليد الفراغ الذي أعقبه. فراغ في التوضيح، وفراغ في المساءلة، وفراغ في احترام ذكاء المواطنين.
 وهذا الفراغ هو أخطر ما في القصة، لأنه ينسف الثقة في المؤسسات، ويرسخ ثقافة الإفلات من العقاب.
السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا تم العزل؟ بل: لماذا توقفت المسطرة عند هذا الحد؟ ومن يحمي الرئيس المعزول من المحاسبة؟ وهل أصبح العزل مجرد مسرحية إدارية تقدم عند اشتداد الضغط، ثم يسدل عليها الستار في صمت؟
برشيد اليوم على صفيح ساخن، والرأي العام لا يطالب بالبلاغات ولا بالقرارات الشكلية، بل بحقيقة كاملة ومحاسبة واضحة. لأن العدالة الإدارية لا تقاس بعدد القرارات، بل بمدى جرأتها على الذهاب إلى النهاية.