لم يكن انتخاب مناديب لتسيير مقبرة الإحسان بمدينة الدار البيضاء إجراءً إداريا عاديا كما يُفترض في تدبير مرفق عمومي ذي طابع اجتماعي وديني حساس، بل كشف عن حجم التوتر والصراع الكامن داخل الأغلبية المسيرة، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات هذا التهافت غير المسبوق على منصب يبدو، نظريا ، تقنيا محدود الصلاحيات.

المهام الموكولة إلى المناديب واضحة: تنظيم عمليات الدفن، مسك السجلات، تتبع الصيانة، والتنسيق مع المصالح الجماعية المختصة. غير أن ما طبع عملية الانتخاب من مشاحنات واصطفافات حادة يؤشر إلى أن الأمر يتجاوز مجرد الحرص على جودة الخدمة. فحين يحتدم الصراع إلى هذا الحد، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان المنصب يُنظر إليه باعتباره مدخلا للنفوذ المحلي أكثر منه تكليفا بخدمة عمومية.

مقبرة بحجم الإحسان ليست فضاءا عاديا ، فهي تستقبل يوميا عشرات الحالات، ما يجعلها نقطة تماس مباشر مع المواطنين في لحظات إنسانية دقيقة. هذا الاحتكاك اليومي يمنح القائمين على تدبيرها حضورا اجتماعيا واسعا ، يمكن أن يتحول إلى رصيد رمزي وانتخابي. كما أن تدبير الأشغال والخدمات المرتبطة بالمقبرة يفتح المجال أمام التأثير في قرارات تهم التهيئة والصفقات الصغيرة، وهي تفاصيل قد تبدو هامشية لكنها تكتسي أهمية في منطق الحسابات السياسية المحلية.

المشهد الذي رافق انتخاب المناديب يعكس خللا أعمق في فهم وظيفة المرفق العمومي. فبدل أن يُنظر إلى المقبرة باعتبارها فضاءا للوقار والانضباط الإداري، تحولت إلى ساحة تجاذب سياسي، بما يهدد بتسييس مرفق يفترض أن يظل بمنأى عن الحسابات الضيقة. والأخطر من ذلك أن غياب تواصل واضح حول معايير الاختيار وآليات المراقبة يوسع دائرة الشكوك لدى الرأي العام.

إن صيانة قدسية المرافق ذات البعد الرمزي تقتضي شفافية صارمة في طرق التدبير والانتخاب، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي لا شكلي.

 فحين يصبح منصب مرتبط بخدمة الموتى موضوع صراع محتدم بين الأحياء، فإن السؤال لم يعد حول الأشخاص، بل حول منطق التدبير برمته: هل نحن أمام خدمة عمومية تُؤدى بروح المسؤولية، أم أمام موقع يُستثمر في لعبة النفوذ والتموقع