لا يزال ملف أعوان السلطة بالمغرب، من “المقدمين” و“الشيوخ”، يثير نقاشا واسعا داخل الأوساط الإدارية والحقوقية، في ظل تأخر إخراج قانون أساسي ينظم هذه الفئة التي تشكل حلقة محورية في منظومة الإدارة الترابية. فبالرغم من الأدوار اليومية التي يضطلع بها أعوان السلطة في تدبير الشأن المحلي ومواكبة مختلف تدخلات السلطات العمومية، فإن وضعيتهم القانونية ما تزال تستند إلى نصوص تنظيمية قديمة، يعود أبرزها إلى ظهير سنة 1963، وهو ما يطرح تساؤلات متزايدة حول مدى ملاءمة هذا الإطار القانوني مع التحولات التي عرفها المغرب في مجال تحديث الإدارة وتعزيز الحكامة الترابية.

وتكتسي أهمية أعوان السلطة بعدا ميدانيا واضحا، بالنظر إلى طبيعة المهام التي يضطلعون بها، والتي تشمل المساهمة في تتبع الأوضاع الاجتماعية داخل الأحياء والدواوير، وتقديم المعطيات للسلطات المحلية، فضلا عن المشاركة في عمليات الإحصاء ومواكبة البرامج الاجتماعية، إلى جانب أدوار مرتبطة بالحفاظ على النظام العام. وبحكم هذا القرب من المواطنين، ينظر إلى هذه الفئة باعتبارها إحدى الواجهات المباشرة للإدارة الترابية في تعاملها اليومي مع المجتمع.

غير أن استمرار العمل بإطار قانوني تقليدي، في مقابل التحولات المؤسساتية التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة، يثير إشكالية ملاءمة الوضعية الإدارية والمهنية لأعوان السلطة مع متطلبات الإصلاح الإداري. فقد عرف المغرب سلسلة من الأوراش الإصلاحية الرامية إلى تحديث الإدارة العمومية، وتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، غير أن وضعية أعوان السلطة ظلت إلى حد بعيد خارج دينامية هذه الإصلاحات، وهو ما يفسر تصاعد مطالب هذه الفئة بإعادة النظر في وضعها القانوني والمؤسساتي.

وفي هذا السياق، تواصل تنسيقية أعوان السلطة بالمغرب الدعوة إلى التعجيل بإصدار قانون أساسي خاص بهذه الفئة، من شأنه أن يحدد بشكل دقيق طبيعة المهام والاختصاصات، ويضبط الحقوق والواجبات المهنية، بما ينسجم مع مبادئ الإدارة الحديثة. كما تطالب التنسيقية بإدماج أعوان السلطة ضمن أسلاك الوظيفة العمومية، وإقرار نظام واضح للترقية يعتمد على معايير الأقدمية والاستحقاق، إلى جانب تحسين الأجور والتعويضات بما يتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم.

وتشمل هذه المطالب أيضا توفير حماية قانونية أكبر أثناء مزاولة المهام، بالنظر إلى طبيعة العمل الميداني الذي قد يعرض بعض الأعوان لمواقف صعبة أو اعتداءات أثناء تدخلاتهم، فضلا عن الدعوة إلى تعميم التغطية الصحية وإرساء نظام تقاعدي يضمن الاستقرار الاجتماعي والمهني لهذه الفئة.

من جهة أخرى، تثير بعض التنسيقيات المهنية إشكالات مرتبطة بالمسار المهني لأعوان السلطة، من بينها ما تعتبره غياب معايير موحدة في تدبير الترقية أو توزيع المهام، إضافة إلى ملفات عالقة تتعلق ببعض الشيوخ القرويين أو الأعوان الحاصلين على شهادات عليا، الذين يطالبون بتمكينهم من مسارات مهنية تتلاءم مع مؤهلاتهم الأكاديمية.

وفي ظل هذه المعطيات، يبرز ملف أعوان السلطة كأحد الملفات المرتبطة بعمق بإصلاح الإدارة الترابية بالمغرب، خصوصا في سياق التحولات التي يشهدها تدبير الشأن المحلي وتنامي أدوار السلطات الترابية في تنزيل السياسات العمومية. ويعتبر عدد من المتتبعين على ان إخراج قانون أساسي منظم لهذه الفئة لم يعد مجرد مطلب مهني، بل أصبح خطوة ضرورية لتحديث منظومة الإدارة الترابية وتعزيز الاستقرار المهني والاجتماعي للعاملين داخلها.

وبين رهانات الإصلاح الإداري وتطلعات فئة تعتبر نفسها العمود الفقري للإدارة الترابية، يبقى تسريع مسار تنظيم وضعية أعوان السلطة أحد المفاتيح الأساسية لترسيخ العدالة المهنية داخل المرفق العمومي وتعزيز فعاليته في خدمة المواطنين