في الثامن من مارس من كل عام، يرتدي العالم حلة التقدير والاحتفاء بنصف المجتمع هذا التاريخ الذي بات علامة فارقة في التقويم الإنساني، ليس مجرد مناسبة لتوزيع الورود، بل هو "محطة جرد" نراجع فيها مساراً طويلاً من التضحيات، ونستشرف من خلاله ملامح مستقبل تقوده كفاءات نسائية بصمت المشهد المغربي بقوة.
الجذور التاريخية،صرخة نسائية هزت أركان العالم لم يكن اختيار الثامن من مارس وليد الصدفة، بل هو ثمرة نضال مرير بدأ منذ أواخر القرن التاسع عشر،ففي عام 1856، خرجت آلاف النساء في شوارع نيويورك احتجاجاً على ظروف العمل القاسية وفي عام 1908، تجددت التظاهرات تحت شعار "خبز ووُرد"؛ الخبز يرمز للقمة العيش والعدالة الاقتصادية، والورد يرمز للحق في الحياة والكرامة وفي عام 1975، اعتمدت الأمم المتحدة هذا اليوم رسمياً، ليصبح موعداً عالمياً للوقوف على المكتسبات التي حققتها المرأة في مسار المساواة والتنمية.
المرأة في ميزان الإسلام، تكريم إلهي ومساواة قيمية قبل أن تعرف المواثيق الدولية "حقوق المرأة"، أرسى الإسلام قواعد ذهبية كرمت المرأة ورفعت شأنها، فالدين الحنيف لم ينظر للمرأة بوصفها كائناً تكميلياً، بل بوصفها شريكاً أصيلاً، قال النبي ﷺ: "إنما النساء شقائق الرجال"، وهذا أبلغ تعبير عن المساواة في القيمة والكرامة الإنسانية، كما أوصى بها خيراً في آخر وصاياه "استوصوا بالنساء خيراً"، مما جعل الإحسان إليها والاعتراف بحقوقها جزءاً من كمال الإيمان، لقد أعطى الإسلام للمرأة حق التملك، والإرث، والتعليم، والمشاركة في الشأن العام، مما مهد الطريق لظهور نساء مغربيات رائدات عبر التاريخ الفن والأعمال والحقوق في إطار واحد.
في مغرب 2026، يتجسد هذا التكريم التاريخي والديني في نماذج حية فرضت وجودها بالكفاءة سناء بن هدي (ريادة المقاولة): تمثل الوجه المشرق للمرأة في عالم الاقتصاد،استطاعت برؤيتها الاستراتيجية أن تثبت أن عالم المال ليس حكراً على الرجال، مؤكدة أن "الاستقلال المادي للمرأة هو الضمانة الأولى لكرامتها".
لطيفة زعطيت "البيضاوية" (عبقرية الريشة) الفنانة التشكيلية التي جعلت من اللوحة فضاءً للمقاومة الجمالية، لوحات "البيضاوية" ليست مجرد ألوان، بل هي توثيق لقوة المرأة المغربية وصمودها، مبرهنة أن الفن هو القوة الناعمة التي تعيد صياغة الوعي.
زهراء حيدارا (صوت العدالة بالمهجر ): الناشطة الحقوقية التي نذرت حياتها للمرافعة عن القضية الوطنية وعن المرأة ،نضالها المستميت هو الدرع الذي يحمي المكتسبات ويضمن لنساء مثل سناء ولطيفة بيئة عمل تسودها العدالة وتكافؤ الفرص.
في أفق 2026، لم يعد التمكين يقتصر على الميادين التقليدية، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي،إن ريادة سناء وزعطيت وزهراء تلتقي اليوم عند ضرورة أن تضع المرأة بصمتها في صياغة مستقبل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لضمان مستقبل عادل وشامل، كما لا يفوتنا في هذا اليوم الاعتراف بـ "اقتصاد الرعاية"؛ ذلك الجهد الصامت الذي تبذله ملايين النساء في بيوتهن، والذي يُعد الركيزة الخفية التي يقوم عليها الاستقرار المجتمعي والنمو الاقتصادي الوطني.
إن الثامن من مارس ينبغي أن يكون لحظة مساءلة ذاتية للرجل أيضاً،هل نمنح النساء في محيطنا المهني فرصاً متكافئة فعلاً؟ هل نصغي إلى آرائهنّ بالجدية نفسها التي نصغي بها إلى آراء الرجال؟ هل نربّي أبناءنا على احترام المرأة بوصفها مواطنة كاملة الحقوق، مستقلة الإرادة؟
لقد علّمتني الحياة أن كثيراً مما يُسمّى ضعفاً في المرأة هو في الحقيقة أسمى أشكال القوة، قوة الاحتمال، قوة التنظيم، قوة التضحية وقوة النظر بعيداً في التفاصيل. إن الرجولة الحقيقية تقوم على الشراكة لا الوصاية، وعلى الاعتراف بأن العدالة شرط لازم لسلام اجتماعي دائم.
إن مجتمعاً يُقصي نصف طاقته لا يمكن أن يحقق تنمية متوازنة ومؤسسة لا تُفسح المجال لكفاءات نسائية مؤهلة كأمثال بن هدي وزعطيت وحيدارا إنما تُضعف نفسها بنفسها.
في الثامن من مارس، إذن، ننتقل من الخطاب إلى الممارسة، ومن المجاملة إلى الالتزام ومن الوصاية إلى الثقة؛ فالمرأة لا تحتاج إلى كلمات إضافية بقدر ما تحتاج إلى فضاءات أوسع وثقة أكثر، تحتاج عدالة بسيطة وواضحة وعندما تتحقق هذه العدالة، لن يكون الثامن من مارس مجرد محطة عادية، بل سيكون شهادة ميلاد لمجتمع اختار أن يكون أكثر إنصافاً وإنسانية.
إن هذا اليوم ليس مجرد وقفة مع الأرقام والنجاحات الباهرة لأمثال سناء بن هدي ولطيفة زعطيت وزهراء حيدارا، بل هو انحناءة تقدير لكل امرأة في هذا الوطن؛ هي الأم التي تهندس الأجيال بصبرها، والأخت التي تفيض سنداً ومودة، والزوجة التي تشارك في بناء كيان الأسرة بحب وتضحية، والبنت والصديقة الوفية التي تقاسمنا دروب الحياة بصدقها وعطائها.
إننا نحتفي اليوم بـ المرأة الشغيلة والعاملة في كل الميادين؛ تلك التي تزرع الأرض بعرق جبينها، والتي تداوي الجراح بلمستها الحانية، والتي تبني العقول في قاعات الدراسة، والتي تقود المقاولات برؤية ثاقبة. لقد أثبتت المرأة المغربية أنها "العمود الفقري" الذي يربط بين نبل العطاء الأسري وعنفوان الإنتاج المهني. فسلامٌ على كل امرأة تجعل من تعبها جسراً يعبر عليه الآخرون نحو الأمل، وكل عام وأنتِ روح المجتمع، ونبض الوطن، وسرّ استمراره الجميل