ركيزة أساسية في المنظومة الصحية بالمغرب، حيث تضطلع بمهمة (ISPITS) تُعد المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة تكوين الأطر شبه الصحية التي تسهر يومياً على تقديم الخدمات الصحية داخل مختلف المؤسسات الاستشفائية. غير أن هذه المؤسسات الاستراتيجية تعيش اليوم على وقع أزمة عميقة تمس مختلف الجوانب البيداغوجية والإدارية والمالية، مما ينعكس سلباً على جودة التكوين، وبالتالي على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين

، تعاني العديد من المعاهد من فراغ واضح في مناصب المسؤولية مما أدى إلى شلل في اتخاذ القرار على المستوى الإداري وتعطيل لمجموعة من المبادرات الإصلاحية. كما أن القرارات المصيرية أصبحت تُتخذ بشكل مركزي من طرف الإدارة المركزية، دون إشراك المؤسسات المعنية ودون الرجوع إلى هياكل الحكامة المحلية، كمجالس المؤسسة. هذا التهميش يفرغ مبادئ الحكامة الجيدة من محتواها، ويقوض كل مجهود يروم تحسين الأداء داخل هذه المعاهد..

أما على المستوى البيداغوجي، فإن هذه المركزية المفرطة تحدّ من قدرة المؤسسات على ملاءمة برامجها التكوينية مع متطلبات الميدان والتطورات المتسارعة في القطاع الصحي. كما أن إقصاء الأساتذة من دوائر اتخاذ القرار يُضعف من انخراطهم ويحدّ من مساهمتهم في الابتكار والتطوير. وقد أدى هذا الوضع إلى تراجع ملحوظ في معنويات الأطر التدريسية والطلبة على حد سواء، خاصة في بعض المعاهد التي تعيش وضعاً أكثر هشاشة..

وقد زادت بعض القرارات الأخيرة الصادرة عن مديرية الموارد البشرية من حدة هذا الاحتقان، خاصة ما يتعلق بإقصاء الأساتذة الباحثين من تولي مناصب المسؤولية في عدد من المعاهد، مثل الدار البيضاء وفاس والعيون. ويُعد هذا التوجه تراجعاً عن مبدأ تثمين الكفاءات الأكاديمية، ويتعارض مع طموحات الرفع من جودة التكوين والبحث العلمي داخل هذه المؤسسات. كما ساهم في خلق شعور بالإحباط وعدم الإنصاف لدى هيئة التدريس. كما يواجه عدد كبير من الأساتذة تأخراً غير مبرر في معالجة ملفات الترقية والتقدم المهني، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول شفافية ونجاعة تدبير الموارد البشرية داخل القطاع. إن استمرار هذا الوضع يُضعف الحافزية ويؤثر سلباً على الاستقرار المهني، في وقت يفترض فيه تشجيع الكفاءات وتحفيزها على العطاء.

وعلى المستوى المالي، يطرح غياب رؤية واضحة وشفافية كافية في تدبير الموارد إشكالات حقيقية، حيث تتعثر مشاريع التأهيل والتوسعة والتجهيز، مما يؤثر بشكل مباشر على ظروف التكوين والبنيات التحتية الضرورية لضمان تعليم ذي جودة.

ومن جهة أخرى، نُعبّر عن رفضنا التام لاعتماد مقاربة كمية صِرفة تقوم على الرفع من عدد الطلبة دون توفير الشروط البيداغوجية واللوجستيكية اللازمة. إن توسيع الطاقة الاستيعابية يجب أن يواكبه تحسين جودة التأطير، وتوفير الموارد البشرية الكافية، وتعزيز البنيات التحتية، وإلا فإن ذلك سيؤدي إلى تدهور مستوى التكوين ومخرجاته.

وأمام هذا الوضع المقلق، فإننا ندعو السيد وزير الصحة والحماية الاجتماعية إلى التدخل العاجل من أجل إعادة الاعتبار للمعاهد عبر إرساء حكامة تشاركية حقيقية، وتمكين المؤسسات من استقلالية نسبية في اتخاذ القرار، مع تفعيل دور المجالس المؤسساتية و القيام بزيارات ميدانية لهده المعاهد.

كما نطالب بإعادة الاعتبار للأساتذة الباحثين وإشراكهم في مناصب المسؤولية، لما لهم من كفاءة وخبرة في مجال التكوين والتأطير، وكذا بفتح قنوات تواصل مباشرة مع السيد الكاتب العام للوزارة، بدل الاقتصار على مديرية الموارد البشرية، التي لم تعد قادرة على مواكبة انتظارات هذه المؤسسات والإجابة عن تحدياتها.

إن إصلاح المعاهد العليا للمهن التمريضية و تقنيات الصحة لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحة لضمان تكوين صحي عالي الجودة، يواكب تطلعات المنظومة الصحية الوطنية، ويستجيب لحاجيات المواطن المغربي