بعد مرور عام على المرحلة التي أعقبت وفاة الشيخ العارف بالله سيدي جمال الدين القادري بودشيش، تبدو معالم المشهد داخل الطريقة القادرية البودشيشية أكثر وضوحا مقارنة ببداية تلك المرحلة، حيث تراجعت حدة السجالات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مقابل بروز مؤشرات ميدانية تعكس استمرار الأنشطة الدينية والفكرية داخل المغرب وخارجه.

وفي هذا الإطار، شكلت "قافلة النور الأوروبية"، التي يشرف عليها فضيلة الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، إحدى أبرز المحطات التي عكست استمرارية العمل المؤسسي للطريقة، من خلال تنظيم سلسلة من اللقاءات العلمية والروحية بعدد من الدول الأوروبية، في إطار ينسجم مع رسالتها القائمة على نشر قيم الإسلام الوسطي والتصوف السني، وترسيخ الثوابت الدينية للمملكة المغربية تحت القيادة الرشيدة لامير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بصفته الضامن للوحدة الدينية وحامي الملة والدين.
وشملت القافلة لقاءات فكرية وروحية استقطبت أكاديميين وباحثين ومهتمين بالحوار الحضاري، إلى جانب حضور وازن لأفراد الجالية المغربية المقيمة بأوروبا. كما عرفت بعض محطاتها انضمام أفراد جدد إلى الطريقة، وإعلان عدد من غير المسلمين اعتناق الإسلام، في مشاهد عكست البعد الإنساني والروحي للأنشطة المنظمة.

ومن أبرز هذه المحطات، اللقاء الذي احتضنته مدينة برشلونة، حيث أعلن أحد المشاركين إسلامه بين يدي فضيلة الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، في لحظة اتسمت بالتأثر والتفاعل، بما يعكس استمرار تأثير الخطاب القائم على الحكمة والموعظة الحسنة في بيئات ثقافية متنوعة.

كما شهدت مدينة بروكسيل، يوم 26 يونيو 2026، تنظيم ندوة علمية وروحية بمبادرة من مؤسسات وجمعيات معروفة قانونيا، من بينها Fondation Al Moultaqa وValeurs et Spiritualité Musulmane de Belgique (VSMB)، خصصت لموضوع الإرث الروحي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بمشاركة الباحث البلجيكي الدكتور Gregory Vandamme، واختتمت بأمسية للسماع الصوفي.

ويأتي هذا النشاط في سياق حضور مؤسساتي راكمته الطريقة القادرية البودشيشية في بلجيكا منذ عهد الشيخ سيدي حمزة القادري بودشيش، من خلال زوايا وجمعيات وهيئات قانونية تنظم لقاءات دينية وثقافية بصورة منتظمة، الأمر الذي جعلها فاعلا معروفا داخل المشهد الديني والثقافي البلجيكي.

وفي المقابل، أعلن عن تنظيم نشاط آخر في بروكسيل خلال اليوم الموالي تحت مسمى "الزاوية الرسمية للطريقة القادرية البودشيشية ببلجيكا"، بعد حملة ترويجية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. غير أنه، وإلى حدود تاريخ إعداد هذا المقال، لم يتم نشر أي معطيات أو صور أو تسجيلات أو تقارير توثق انعقاد هذا النشاط، رغم أن الجهة المنظمة اعتادت في مناسبات سابقة نشر تغطيات مفصلة لأنشطتها، وهو ما أثار تساؤلات لدى عدد من المتابعين بشأن مآل هذا الموعد.

ويكتسب هذا المعطى أهمية بالنظر إلى السياق البلجيكي، الذي تعرف فيه المؤسسات الرسمية والجمعيات المدنية مختلف الهيئات القانونية التي تمارس أنشطتها باسم الطريقة القادرية البودشيشية بصورة منتظمة وعلنية.
وفي السياق ذاته، سبق الإعلان بمدينة مراكش عن تنظيم عرض بعنوان "رياض النور 3"، قبل أن يصدر لاحقا إعلان رسمي يفيد بتأجيله إلى أجل غير مسمى، وذلك بعد حملة تواصلية سبقت الموعد المعلن.

وتبرز هذه الوقائع، بحسب متابعين، تباينا بين الأنشطة التي تم تنفيذها ميدانيا وحظيت بحضور جماهيري وتغطية إعلامية، وبين أنشطة أعلن عنها دون أن تظهر بشأنها مؤشرات توثق انعقادها، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة أهمية الاستمرارية والعمل المؤسسي في ترسيخ الحضور داخل الفضاءين الديني والثقافي.

وخلال السنة التي أعقبت الأزمة، واصلت الطريقة القادرية البودشيشية تنظيم لقاءاتها العلمية والروحية داخل المغرب وخارجه، محافظة على برامجها التأطيرية والإشعاعية، بما يعكس نهجا يقوم على استمرارية العمل المؤسساتي أكثر من الارتباط بالنقاشات الظرفية التي تشهدها الفضاءات الرقمية.
وتؤكد مجمل الوقائع الميدانية أن تقييم الحضور المؤسساتي لأي تجربة دينية أو فكرية يظل رهينا بما يتحقق على أرض الواقع من مبادرات وأنشطة وبرامج مستمرة، أكثر مما يرتبط بالحملات الإعلامية أو السجالات الافتراضية، وهو ما يجعل الزمن والإنجاز العملي معيارين أساسيين في قراءة تطور المشهد خلال المرحلة الماضية.