في زمنٍ تتغنّى فيه الدولة بشعارات التنمية المتوازنة و"الجهوية المتقدمة"، تُقاد بني ملال إلى مصيرٍ قَسْري يُشبه المنفى الجماعي. فقد غدت هذه المدينة، التي من حقها أن تكون قطبًا حضاريا، مُجرّد مكبّ بشري تُرحَّل إليه أفواج المهـ.ـاجرين الأفارقة المطـ.ـرودين من كبريات الحواضر، فيُلقى بهم في شوارعها كأجساد بلا هوية، ولا برنامج إدماج، ولا أفق سوى التيه والضياع.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تحوّلت بني ملال، بقرار غير معلن، إلى مصحٍّ جبري يُزجّ فيه بالمـ.ـرضى النفسـ.ـيين القادمين من مدنٍ سياحية أرادت أن تحافظ على صورة مصقولة للسائح الأجنبي، بينما تُساق مخلّفاتها الإنسانية إلى قلب الأطلس المتوسط، وكأنّ بني ملال ليست سوى "بويا عمر" عصري تُدفن فيه معاناة منبوذين بلا دواء ولا كـ.ـرامة.
المفـ.ـجع في المشهد ليس فقط هذا الإستهتار الرسمي، بل ذلك الصمت المُطبق الذي يخيّم على المنتخبين المحليين، أولئك الذين أُوكلت إليهم مهمّة حماية المدينة وصون كبريائها. أما الجمعيات المدنية، فبين متواطئة بالصمت وبين من باعت صوتها في سوق المنح والدعم، حتى صارت شريكة في الجـ.ـريمة بصمتها المُريب.
أيّ قدر هذا الذي يجعل مدينة بحجم بني ملال، بتاريخها وموقعها الإستراتيجي، تُختزل إلى منفى قسري ومكبّ للمعزولين والمُقصَيين؟ أيّ تنمية هذه التي تُمارَس على حساب كرامة ساكنة بأكملها؟ أين هي العدالة المجالية التي صارت مجرد لازمة خطابية يُراد بها تجميل واقعٍ أكثر قسـ.ـوة من أن يُجمَّل؟
إن بني ملال اليوم تصرخ بلا صوت: لسنا منفى للغرباء، ولسنا مصحًّا للمنبوذين، ولسنا مكبًّا تُرمى فيه بقايا المدن الكبرى. بني ملال تستحق أن تكون قطبًا إقتصاديًا وثقافيًا، لا ضـ.ـحية لتصفية الحسابات التنموية.
التاريخ لن يرحم من جعل من هذه المدينة بوابة للتيه بدل أن تكون جسرًا للأفق.