عبد الغني المساعد
تنتابني بين الفينة والأخرى، نوبة تحملني على أن أحدث من صنع الخطأ/الخطيئة، أما وسائل الخطأ، فأعفي من حديثها قلمي، لأنها إنما هي مفعول بها أو فيها.
إن الحائط المهترئ، لا يدرك، إلا أنه حائط، وفقط، أما الاهتراء في رأيه، فذاك شأن من يرى. حينما يسقط لا يدري أنه قد تهدم، لأنه لم يعد حائطاً، أما الحطام والتشطيب فيراه الآخرون.
فقط أحادثك يا من كان يدرك المعنى، لعل في بعض الحديث ذكرى، ليس لمعروف ولكن:
﴿ذَكِّرْ، إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾.
ألم نشارك ليلانا، وشهدنا، ترانيم الملائكة في صدورنا، بكاءنا، فرحنا، آهاتنا، وسيرنا منا إلينا، ألم تأكل خبزنا، وتفترش زرابينا، ألم نبسط عليك ردائنا؟!
ترى نسيت، ألم تسبح معنا في ملكوت الأسماء، فترتعش فينا القلوب وترافقها الأجساد، حتى خلناه سفراً بلا عودة نحو الديار، فتُعيدنا صلاة الحبيب إلى هدوء الإدراك؟
أم كُنت فينا، من غير أن تكون منا !؟
أم هو الخرف نتيجة الاهتراء !!
ماذا دهاك وأي مس قد اعتراك!
ذات يوم، من غير ضياء، نمت على غير وضوء ولا أذكار، فرأيت في ما يرى الذي وسوست له الأمارة بالسوء، أنك غدوت سيداً بين السادات، بل سيدهم، وزعيماً هو ديدنهم، ومددت يدك ترنو القربان.
فلما قمت من أحلامك، غير مفزوع من هرطقاتها، جمعت عزمك، وقلت في قرارة نفسك: هذه إشارة، هذه البشارة.
وأطلقت لمخيلتك العنان:
"سأرفع وأنصب، سأكسر وأقصي، سوف أبدع وأروع، وسوف......."
ترى أنه هناك من لم يغرهم غي النوم بلا وضوء، ولم تعترهم نوبات الجنون، يتلون سراً وجهراً:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.
فخرجوا من حيث لم تدري كالليوث، يحملون في صدورهم سراً، يجد امتداده في قلب الليث الأغر ذاك الأكبر، فحولوا حلمك الظالم إلى هزيمة نكراء، تجر أذيالها كل يوم...
ولأنك لا تستحي، لازلت تردد في جنح الظلام: "أنا الزعيم، أنا الزعيم".
لازلت تُصر على الهذيان.
وإني، في آخر الصف، أنظر إليك من بعيد، لست أدري:
أشفقةً أم تذمراً، وأقول في قرارة نفسي: "يا لهذا الهراء، يا لهذا الاهتراء".
ألم نسقك حليباً غدقاً، ونطعمك حكمة تشع ضياءً، وأقمناك فوق الرؤوس، فأبيت إلا أن تدوسك الأقدام!
أي هراء !؟ أي اهتراء !؟
أما آن للحائط أن يستريح بالسقوط بعد هذا الزلزال !؟
يا لخرف الرجال.