مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يطفو على السطح نوع من الأشخاص الذين احترفوا المتاجرة بالأوهام السياسية أكثر من اهتمامهم بالفعل الديمقراطي الحقيقي. يظهرون في الكواليس بوجوه متعددة، لكن هدفهم واحد استغلال طموح بعض المرشحين، خاصة الوجوه الجديدة، وإيهامهم بأن الطريق نحو الفوز مفروش بالنفوذ والمال والعلاقات.
هؤلاء لا يقدمون برامج ولا يحملون أفكارا تخدم المجتمع، بل يتقنون صناعة الصورة الوهمية حول المرشح. يقتربون منه بخطاب مليء بالمبالغة، ويغذون لديه شعورا زائفا بالقوة والشعبية، مدعين امتلاك مفاتيح الأصوات والتحكم في المزاج الانتخابي، حتى يقتنع بأنه أصبح على بعد خطوات من المقعد المنتظر.
ومع مرور الوقت، يتحول المرشح إلى مشروع استثماري بالنسبة لهم، فيدفع الأموال بسخاء، ويوزع الوعود، ويحيط نفسه بأشخاص لا يؤمنون به بقدر ما يؤمنون بما يمكن أن يحققوه من مكاسب خلال الموسم الانتخابي. وهكذا تتحول السياسة من فضاء للنقاش والأفكار إلى سوق مفتوح للمصالح والصفقات العابرة.
خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في تضليل بعض المرشحين، بل في ضرب ثقة المواطنين في العملية الديمقراطية نفسها، حين يصبح التملق والسمسرة بديلا عن الكفاءة والبرامج الجادة.
فشناقة الانتخابات لا ينشغلون بمشاكل الناس ولا بمستقبل المدن، بل بما يمكن جنيه من امتيازات ومنافع قبل إعلان النتائج.
وغالبا ما تنتهي مهمتهم مباشرة بعد ظهور النتائج، فيختفون كما ظهروا، تاركين خلفهم مرشحا مصدوما بحقيقة الأرقام والواقع، بعدما كان يعيش على وقع التصفيق المصطنع والوعود الكاذبة. حينها يدرك أن كثيرًا ممن التفوا حوله لم يكونوا داعمين حقيقيين، بل مجرد محترفين في استغلال الطموح السياسي.
إن بناء تجربة سياسية محترمة لا يمكن أن يقوم على السماسرة وباعة الأوهام، بل يحتاج إلى عمل ميداني صادق، وقرب حقيقي من المواطنين، وبرامج واقعية قادرة على ملامسة انتظارات المجتمع. فالديمقراطية ليست تجارة موسمية، والناخب ليس رقما للبيع والشراء، والسياسة تظل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سباقا نحو المناصب.