المليارات التي رُصدت لدعم قطاع تربية الماشية والحد من ارتفاع أسعار الأغنام، ورغم المذكرات والدوريات والتوجيهات الرسمية الرامية إلى محاربة المضاربة والوسطاء غير الشرعيين، لا يزال المواطن المغربي يقف عاجزا أمام أسعار ملتهبة حولت اقتناء أضحية العيد إلى حلم صعب المنال بالنسبة لآلاف الأسر.

فداخل "رحبات الغنم" يبدو أن الواقع يسير في اتجاه مغاير تماما لما تعلنه الحكومة من إجراءات وتدابير. هناك لا صوت يعلو فوق صوت السماسرة و"الشناقة"، الذين يحددون الأسعار وفق منطق السوق المنفلت لا وفق منطق العرض والطلب الحقيقيين، بينما يجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية إما القبول بأسعار تفوق قدرته الشرائية، أو التخلي عن شعيرة دينية ظلت لعقود جزءا من التقاليد الاجتماعية المغربية.

وقد جاء قرار وزارة الداخلية القاضي بتعليق أداء رسوم دخول أسواق الأغنام في محاولة لتخفيف الأعباء وتحسين ظروف التسويق، غير أن أثره على أرض الواقع ظل محدودا للغاية، وكأنه مجرد "كوب ماء سكب فوق أطنان من الرمال"، في ظل استمرار المضاربة وغياب آليات فعالة لضبط الأسعار ومراقبة الوسطاء.

العديد من المواطنين انتظروا إلى الأيام الأخيرة أملا في تراجع الأسعار، مستندين إلى الوعود الرسمية والتصريحات الحكومية التي تحدثت عن إجراءات استثنائية لدعم القطاع وضمان وفرة العرض. لكن الانتظار تحول إلى خيبة أمل جديدة، بعدما ظلت الأسعار مرتفعة في أغلب الأسواق، ليجد المستهلك نفسه ضحية مرتين ، مرة حين ساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تمويل برامج الدعم من المال العام، ومرة ثانية حين اضطر لمواجهة أسعار لا تعكس حجم ذلك الدعم.

وفي هذا السياق، تتعالى الأصوات المطالبة من حكومة عزيز أخنوش بتقديم حصيلة واضحة وشفافة حول مآل برامج الدعم الموجهة للقطاع، ومدى انعكاسها الفعلي على الأسعار، مع فتح تحقيقات ميدانية لرصد مسالك التوزيع وكشف الجهات التي تستفيد من هوامش ربح مبالغ فيها على حساب المربين الصغار والمستهلكين.

فالمواطن لا ينتظر بيانات مطمئنة أو أرقاما على الورق، بل ينتظر أثرا ملموسا في الأسواق. وعندما تبقى الأسعار مرتفعة رغم الدعم والإعفاءات والإجراءات الاستثنائية، يصبح من المشروع التساؤل أين ذهبت مليارات الدعم؟ ولماذا لم تصل آثارها إلى جيب المواطن الذي أنهكته موجات الغلاء المتتالية؟

إن نجاح أي سياسة عمومية لا يقاس بحجم الأموال المرصودة لها، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين. وفي ملف الأغنام وأسعار الأضاحي، لا يزال هذا السؤال مطروحا بإلحاح، في انتظار أجوبة عملية تعيد الثقة وتضمن عدالة السوق وتحمي القدرة الشرائية للمغاربة.