تدخل جهة الدار البيضاء-سطات المرحلة الأخيرة من الولاية الانتدابية الحالية، وسط أرقام رسمية تكشف فجوة واضحة بين حجم البرامج والاتفاقيات المصادق عليها وبين مستوى الإنجاز الفعلي على الأرض.
فخلال الدورة العادية لشهر أكتوبر، المنعقدة يوم 5 أكتوبر 2026 بحضور والي الجهة محمد امهيدية، قدم رئيس مجلس الجهة عبد اللطيف معزوز حصيلة السنوات الماضية، معلنا أن نسبة تفعيل برنامج التنمية الجهوية 2022-2027 تجاوزت 96 في المائة، فيما لم تتجاوز نسبة إنجاز البرنامج 55 في المائة.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق مساءلة سياسية وتدبيرية واضحة: كيف يمكن أن تبلغ نسبة "التفعيل" أكثر من 96 في المائة، بينما لا تتجاوز نسبة الإنجاز 55 في المائة؟
الأرقام نفسها تقدم جزءا من الجواب فالمجلس صادق، منذ بداية الولاية إلى نهاية شتنبر الماضي، على 515 اتفاقية بقيمة إجمالية تقارب 92 مليار درهم، غير أن 240 اتفاقية فقط، بقيمة تناهز 59 مليار درهم، أصبحت قابلة للتنفيذ بعد استكمال مساطر التأشير والتوقيع، وهو ما يعني أن 275 اتفاقية، وفق المعطيات المقدمة، لم تدخل بعد مرحلة التنفيذ بالشروط المطلوبة.
أما برنامج التنمية الجهوية، فقد بلغت كلفته الإجمالية حوالي 44.6 مليار درهم، بمساهمة جهوية تناهز 12.5 مليار درهم، وبلغت نسبة تفعيله أكثر من 96 في المائة، في حين لم تتجاوز نسبة الإنجاز 55 في المائة بالنسبة للاتفاقيات المؤشر عليها في إطار البرنامج.
والأكثر دلالة أن المشاريع التي دخلت فعليا مرحلة التنفيذ الميداني، والتي تبلغ قيمتها حوالي 14 مليار درهم، لا يتجاوز متوسط تقدم الأشغال فيها 36 في المائة، بحسب المعطيات التي قدمها رئيس المجلس. وتشمل هذه المشاريع قطاعات النقل والتنقل، والماء والبيئة، والتعليم والصحة والرياضة، والاقتصاد والتشغيل.
96 في المائة تفعيل.. لكن أين هو الإنجاز؟
المشكلة هنا ليست في المصطلح الإداري في حد ذاته، وإنما في الطريقة التي يمكن أن يفهم بها المواطن هذه الأرقام.
فبالنسبة للمواطن، المشروع لا يصبح إنجازا بمجرد المصادقة على اتفاقية أو استكمال مسطرة إدارية؛ الإنجاز يعني طريقا تم إنجازها، مستشفى فتح أبوابه، مركزا صحيا اشتغل، وسيلة نقل دخلت الخدمة، أو مشروعا اجتماعيا واقتصاديا أصبح واقعا.
ومن هذه الزاوية، فإن الفارق بين "التفعيل" و"الإنجاز" يستحق نقاشا صريحا داخل المجلس، خصوصا مع اقتراب نهاية الولاية.
515 اتفاقية.. و275 لم تصل بعد إلى التنفيذ
الرقم الأكثر إثارة للتساؤل هو 515 اتفاقية بقيمة تقارب 92 مليار درهم، مقابل 240 اتفاقية فقط أصبحت قابلة للتنفيذ.
وهذا لا يعني، بشكل تلقائي، أن الأموال المرتبطة بهذه الاتفاقيات قد ضاعت أو أن هناك هدرا للمال العام؛ فجزء كبير من المبلغ يمثل مساهمات الشركاء، كما أن الاتفاقيات غير المؤشر عليها ليست بالضرورة مشاريع متوقفة نهائيا. لكن ضخامة الأرقام تفرض، مع ذلك، سؤالا مشروعا: ما مصير الدراسات والتدابير والتحضيرات التي رافقت هذه المشاريع؟ وما أسباب تعثر استكمال المساطر بالنسبة إلى مئات الاتفاقيات؟
إنها أسئلة لا ينبغي أن تبقى في دائرة التجاذب السياسي، بل تحتاج إلى أجوبة موثقة وشفافة.
من 92 مليار درهم إلى واقع 36 في المائة
المفارقة تصبح أكثر وضوحا عندما ننتقل من لغة الاتفاقيات إلى لغة الأوراش.
فالجهة تتحدث عن 92 مليار درهم كقيمة إجمالية للاتفاقيات المصادق عليها، بينما يبلغ متوسط تقدم الأشغال في المشاريع التي دخلت التنفيذ الفعلي 36 في المائة فقط.
وهذا الرقم وحده كاف لفتح نقاش جدي حول قدرة المجلس وشركائه على تحويل البرمجة المالية إلى مشاريع مكتملة داخل الآجال المحددة.
فالجهة ليست جماعة ترابية عادية، بل واحدة من أهم الأقطاب الاقتصادية والديموغرافية بالمملكة، وبالتالي فإن أي تأخر في تنفيذ مشاريعها لا يبقى شأنا إداريا داخليا، وإنما ينعكس مباشرة على المواطنين والاستثمار والنقل والماء والصحة والتعليم والبنيات التحتية.
المطلوب ليس مزيدا من الاتفاقيات.. بل مزيدا من الإنجاز
في المرحلة المتبقية من الولاية، لا يبدو أن المواطن في حاجة إلى أرقام جديدة حول عدد الاتفاقيات بقدر حاجته إلى معرفة المشاريع التي ستفتح فعليا أبوابها، والأوراش التي ستنتهي، والآجال التي ستُحترم.
كما أن الحديث عن "تفعيل" البرامج ينبغي أن يكون مصحوبا دائما بمؤشرات واضحة حول نسب الإنجاز، والاعتمادات المؤداة، والمشاريع المتوقفة، وأسباب التعثر، والمسؤوليات المرتبطة بكل مرحلة.
أما الحديث عن "ضياع المال العام"، أو وجود صفقات مشبوهة أو تضارب مصالح أو مخالفات في تدبير المشاريع، فيحتاج إلى وثائق ونتائج افتحاص أو تحقيقات رسمية قبل تقديمه كحقيقة ثابتة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس: كم اتفاقية صادق عليها المجلس؟
بل كم مشروعا انتهى فعليا؟ وكم مشروعا استفاد منه المواطن؟ وكم من الأموال تم صرفها مقابل أشغال مكتملة وذات جودة؟
فالـ96 في المائة يمكن أن تكون رقما إداريا مهما، لكن المواطن سيقيس الحصيلة بلغة أخرى تماما: مشروع منجز، خدمة متاحة، طريق مفتوحة، ومرفق عمومي يشتغل.
ومع اقتراب نهاية الولاية، ستبقى المسافة بين أرقام "التفعيل" وأرقام "الإنجاز" هي الاختبار الحقيقي لقدرة مجلس جهة الدار البيضاء-سطات على تحويل برامجه من الاتفاقيات والوثائق إلى نتائج ملموسة على الأرض.