هناك تهميش صامت يحدث أمام أعيننا، لا يُناقَش بما يكفي، ولا تلتقطه الكاميرات.. إنه التهميش الرمزي لشخصية الأب.
في التظاهرات العالمية، وعلى منصات التكريم، وفي خطابات المشاهير، تتجه الكاميرات نحو الأم، وتُمنح كلمات الشكر والتقدير، وتُروى قصص تضحياتها، بينما يظل الأب في كثير من الأحيان خارج المشهد، وكأن وجوده تفصيل لا يستحق الذكر.
لماذا يُحتفى بتضحيات الأم بإعتبارها قصة تستحق أن تُروى، بينما تُعامل تضحيات الأب بإعتبارها واجباً لا يستحق حتى الإعتراف؟
هل لأن الأب لا يتألم؟ أم لأنه تعوّد أن يخفي ألمه خلف الصمت؟ أم لأن المجتمع إختزله في صورة الرجل الذي عليه أن يعمل وينفق ويتحمل، ثم يواصل حياته وكأن شيئاً لم يحدث؟
المفارقة أن الأب قد يقضي عمره يحاول توفير حياة كريمة لأبنائه، ثم يجد نفسه غائباً عن الصورة التي تُروى فيها حكاية الأسرة.
ولنكن واضحين: لسنا ضد تكريم الأم، ولا نحتاج إلى التقليل من مكانتها لإنصاف الأب. لكننا ضد أن يتحول الإحتفاء بطرف إلى تجاهل الطرف الآخر.
فمن قال إن الإعتراف بالأم يقتضي نسيان الأب؟ ومن أقنعنا بأن الأبوة مسؤولية مالية فقط، وليست حباً وتربيةً وإحتواءً وتضحية؟
إن أخطر ما في الأمر ليس غياب الأب عن صورة هنا أو مناسبة هناك، بل أن يصبح هذا الغياب أمراً مألوفاً، ثم يتحول بالتكرار إلى تصور إجتماعي ينتقص من حضوره المعنوي والتربوي.
الأسرة ليست منافسة بين رجل وإمرأة، وليست منصة يتسع ضوؤها لأحدهما على حساب الآخر.
الأم ليست بحاجة إلى أن يتراجع الأب حتى تتألق، والأب ليس بحاجة إلى أن تنطفئ أضواء الأم حتى يُرى.
لكن من حق الأب أيضاً أن يُرى، وأن يُذكر، وأن يُعترف بأن وراء كثير من الإبتسامات التي نحتفي بها آباءً حملوا أوجاعهم بصمت.
وربما حان الوقت لطرح السؤال الذي لا تحب بعض الصور الجاهزة أن تسمعه:
هل نحتفي فعلاً بالأسرة، أم أننا نرسم لها صورة ناقصة، ثم نطلب من الأب أن يكتفي بدور الرجل الذي يقف خلف الكاميرا؟