في خطوة تعكس توجها متزايدا نحو تشديد الانضباط الإداري وتعزيز مبدأ الحياد داخل جهاز الإدارة الترابية، كشفت معطيات متداولة عن توصل ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم بتعليمات مركزية تدعو إلى حث رجال السلطة، من قواد وباشوات ورؤساء دوائر، على تفادي المشاركة في الأنشطة والتجمعات التي تُقام بالفضاءات العمومية دون ترخيص مسبق أو موافقة خاصة من الجهات المختصة.

وبحسب المعطيات ذاتها، فإن هذه التوجيهات الجديدة لا تقتصر فقط على الأنشطة الرسمية، بل تشمل أيضا مختلف اللقاءات ذات الطابع غير الرسمي، خاصة تلك التي قد تضع رجال السلطة في مواقف تعتبر على أنها انحياز سياسي أو نقابي أو اجتماعي، في وقت تحرص فيه وزارة الداخلية على تكريس صورة الإدارة الترابية كجهاز محايد يلتزم بواجب التحفظ والابتعاد عن كل ما يمكن أن يثير الجدل أو التأويل.

وشددت التعليمات، وفق المصادر المتداولة، على ضرورة تجنب حضور التجمعات ذات الخلفيات الحزبية أو النقابية، إلى جانب الابتعاد عن الولائم والسهرات واللقاءات الخاصة التي تُنظم داخل الإقامات الخاصة أو النوادي أو قاعات الأفراح، خصوصا تلك التي تعرف حضور منتخبين أو فاعلين سياسيين أو شخصيات نافذة، وذلك تفاديا لأي تداخل محتمل بين المهام الإدارية والعلاقات الشخصية أو السياسية.

ويرى متابعون أن هذه التوجيهات تأتي في سياق سعي وزارة الداخلية إلى إعادة ضبط سلوك رجال السلطة ميدانيا، خاصة مع اقتراب محطات سياسية وانتخابية مستقبلية، حيث يتم التشديد بشكل متزايد على ضرورة احترام أخلاقيات المرفق العمومي، وتفادي كل المظاهر التي قد تمس بصورة الحياد المفروض قانونا على رجال الإدارة الترابية.

كما اعتبر مهتمون بالشأن الإداري أن هذه التعليمات تعكس رغبة واضحة في القطع مع بعض السلوكات التي كانت تثير بين الفينة والأخرى نقاشا واسعا داخل الرأي العام، خصوصا ما يتعلق بحضور بعض رجال السلطة لأنشطة أو مناسبات ذات طابع خاص يتم تداول صورها ومقاطعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما كان يفتح الباب أمام الانتقادات والتأويلات المرتبطة بعلاقات النفوذ والتقارب مع بعض المنتخبين أو رجال الأعمال.

وتأتي هذه المستجدات في وقت تعرف فيه الإدارة الترابية بالمغرب دينامية متواصلة تهدف إلى تحديث أساليب التدبير الإداري وتعزيز مبادئ الحكامة والصرامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع الحرص على تكريس صورة رجل السلطة كفاعل مؤسساتي ملتزم بالقانون، وبواجب التحفظ، وبالحياد الكامل تجاه مختلف الفاعلين السياسيين والنقابيين والاقتصاديين.