الكاتب : الأستاذ السوني
منذ انتقال شيخ الطريقة الراحل سيدي جمال قدس الله سره، برزت إلى السطح محاولات متكررة لإعادة تشكيل المشهد الداخلي للطريقة القادرية البودشيشية خارج الإطار الشرعي الذي استقرت عليه الطريقة عبر عقود طويلة.
فعلى الرغم من وضوح وصايا شيوخ الطريقة وسندها التربوي والروحي المتصل، وتمسك غالبية فقراء ومريدي الطريقة، داخل المغرب وخارجه، بالشيخ الدكتور مولاي منير القادري بودشيش باعتباره الامتداد الشرعي لذلك السند التربوي والروحي، وعلى الرغم كذلك من وضوح موقف مجلس مقدمي الطريقة، الذي يضم المقدمين الشرعيين الذين صحبوا شيخ الطريقة سيدي حمزة قدس الله سره، ومنهم من عاصر والده الشيخ سيدي الحاج العباس قدس الله سرهما، فإن بعض الأطراف ما تزال تحاول خلق واقع موازٍ لا يستند إلى إجماع حقيقي داخل الطريقة.
وفي كل مرحلة تظهر أساليب جديدة لمحاولة إضفاء شرعية إعلامية على مشروع يفتقد إلى الحاضنة الحقيقية داخل الطريقة، حيث أصبح الرهان الأساسي منصبًّا على صناعة الصورة أكثر من بناء الامتداد الواقعي، وعلى تضخيم بعض التحركات المحدودة وتقديمها وكأنها تعبير عن تحول واسع داخل أوساط الفقراء والمريدين.
ومن آخر هذه الأساليب ما يتم الترويج له على أنه “تدشين لزوايا جديدة” في بعض المدن المغربية، بينما يتعلق الأمر في الواقع بتحركات محدودة شملت مدنًا معدودة مثل مكناس وفاس وتطوان، في محاولة لصناعة مشهد إعلامي يوهم بوجود توسع تنظيمي واسع، في حين يكشف الواقع محدودية الحضور وضعف الامتداد البشري الحقيقي.
ففي بعض الحالات تم الاكتفاء بوضع لافتة على منزل خاص لأحد المقربين وتقديمه للرأي العام على أنه زاوية قائمة، في مشهد يراه كثير من أبناء الطريقة أقرب إلى صناعة الوهم الرمزي منه إلى تأسيس فضاءات تربوية وروحية حقيقية لها امتدادها ووظيفتها المعروفة تاريخيًا داخل التصوف المغربي.
كما أن العناصر الحاضرة في هذه الأنشطة تتكرر بشكل شبه دائم، وهي نفس المجموعة المحدودة التي ترافق هذه التحركات من مدينة إلى أخرى، الأمر الذي يعزز الانطباع بأن الأمر يتعلق بمحاولة خلق زخم إعلامي مصطنع أكثرع من كونه تعبيرًا عن امتداد حقيقي داخل أوساط الفقراء والمريدين.
وإن أبناء الطريقة يدركون جيدًا أن الزوايا لم تكن يومًا مجرد لافتات أو بنايات تُفتتح أمام الكاميرات، بل كانت دائمًا فضاءات للتربية والذكر وصحبة الرجال، تُبنى بالمحبة الصادقة وخدمة الفقراء والمريدين، لا بصناعة المشاهد الظرفية أو تضخيم الحضور الإعلامي.
فالشرعية داخل الطرق الصوفية لا تُبنى بالصورة ولا بالشعارات ولا بحملات مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما تقوم على السند التربوي، والوصية الروحية، وإجماع أهل الطريقة، واستمرار الامتداد التاريخي الذي يحفظ وحدة المسار ويصون حرمة الإرث الروحي من التوظيف أو الانقسام.
ولذلك فإن كل محاولات التشويش أو خلق انطباعات مصطنعة عن امتداد تنظيمي واسع، تبقى عاجزة عن تغيير حقيقة يعرفها أهل الطريقة قبل غيرهم، وهي أن الامتداد الحقيقي يُقاس بثبات السند، واجتماع القلوب، واستمرار التربية الروحية التي حفظت للطريقة القادرية البودشيشية وحدتها وإشعاعها عبر العقود.
فالحقيقة، لمن أرادها، هناك في مذاغ، حيث تشهد الزاوية كل أسبوع جموعًا غفيرة من الفقراء والمريدين الذين يحرصون على زيارة الشيخ الشرعي فضيلة الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، للنيل من بركات صحبته والتزود من توجيهاته التربوية والروحية.
والحقيقة أيضًا حاضرة في مختلف زوايا الطريقة داخل المغرب وخارجه، والتي تعرف برامج مكثفة وحضورًا مستمرًا والتزامًا واضحًا من الفقراء والمريدين بأوراد الطريقة وبرامجها وتوجيهات شيخهم الشرعي، في صورة تعكس الامتداد الحقيقي الحي للطريقة القادرية البودشيشية بعيدًا عن محاولات التضخيم الإعلامي أو صناعة المشاهد الظرفية.
وسيظل غالبية أبناء الطريقة، داخل المغرب وخارجه، أوفياء للنهج الذي تربّوا عليه في حضرة السادة المشايخ، قائمين بخدمة الذكر والمحبة والسلام، غير ملتفتين إلى حملات التشويش أو محاولات الاستفزاز الإعلامي التي تظهر بين حين وآخر، لأن ما يقوم على الصدق والثبات لا تهزه الضوضاء العابرة.