بين صدى الوتر في ديار الغربة وهتاف الجماهير المشتاقة في ساحات الوطن، تولد مفارقة فنية غريبة تضع سفراء الإبداع المغربي بالخارج أمام علامات استفهام كبرى حول معايير الإقصاء والتهميش في كواليس مهرجاناتنا الوطنية،وفي الوقت الذي تترقب فيه الساحة الثقافية تجديد الدماء والارتقاء بالذوق العام، يخرج صوت الفنان كمال الطالياني من عمق المهجر ليدق ناقوس الخلل بجرأة، معبراً بمرارة عن غياب الإرادة المؤسساتية لاحتضان فنانين قدموا الكثير للهوية الوطنية الطالياني، الذي جاب مسارح أوروبا حاملاً مشعل التراث الشعبي، يرى أن الوسط الفني بات رهينة لوبيات من الوسطاء، الذين يوجهون الدعوات بعيداً عن منطق الاستحقاق والقيمة الإبداعية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفن "العيطة"؛ هذا الإرث الأعرق والأعقد الذي يعتمد على مقامات صوتية مركبة وضبط للإيقاعات الحية التي تلامس الوجدان الجماعي، والذي نجح مبدعو الاغتراب في صونه والموازاة فيه بين أصالة الوتريات ومحاكاة الحداثة لإيصال هذا الفن إلى آذان عالمية.
إن مغاربة العالم لا يشكلون فقط جالية تقارب 6 ملايين نسمة، بل هم قوة اقتصادية وسياحية وثقافية هائلة؛ وحضور فنان من طينة كمال الطالياني يحمل معه قاعدة جماهيرية وفية من مغاربة أوروبا الذين يزورون أرض الوطن صيفاً، مما يضمن نجاحاً جماهيرياً وتسويقياً استثنائياً للمهرجانات الصيفية التي تفتقر عروضها الحالية للتجديد، وفي خطوة عملية ومفاجأة، أعلن الفنان كمال الطالياني عن وضع اللمسات الأخيرة على مشروع موسيقي ضخم يسعى من خلاله إلى عصرنة فن العيطة وتقديمه بقوالب متجددة تقرب الشباب المغترب من هويته الأم، والمشروع الذي يشتغل عليه الطالياني ليس إعادة لإنتاج الأنماط التراثية الكلاسيكية، بل هو إعادة هندسة موسيقية لـ 'العيطة'؛ حيث تمت تزاوجية فنية فريدة بين صرامة الوتريات والكمنجة المغربية الأصيلة، وبين هندسة الصوت والتوزيع الغربي المعاصر، وهو عرض حصري صُمم خصيصاً ليخاطب ذوق جمهور الداخل ويبهر السياح ومغاربة الخارج على حد سواء، مؤكداً جاهزيته التامة واشتياقه لاعتلاء المنصات المغربية ولقاء جمهور وطنه الغالي لتقديم هذا العرض الحصري، ليكون الاستمرار في البحث الموسيقي رداً أسمى على سياسات الإقصاء.
هذا النداء يتقاطع بقوة مع نبض الشارع؛ حيث عبرت الجماهير في جولة استطلاعية عن استيائها من تكرار نفس الوجوه، إذ يتساءل عادل من المحمدية بمناسبة مهرجان الزهور، عن سبب حرمانهم من رؤية كفاءات تلهب مسارح أوروبا كفناننا الشعبي، بينما تؤكد ليلى من بوزنيقة بمهرجان الرمال أن إقصاء مغاربة العالم قطع لصلة الرحم الثقافية يثبت تحكم الزبونية، في حين يطالب الحاج مصطفى من بنسليمان بعودة الشيوخ والمبدعين الذين يحملون غيرة حقيقية على التراث لإصلاح ما أفسده الوسطاء، وهو ما يزكيه الباحث الدكتور رشيد بتأكيده أن ملف فناني المهجر يرتبط بالدبلوماسية الثقافية وثمرة عقود من التطوير الموسيقي في بيئات غربية صعبة وليس بامتيازات مادية.
إن حرمان منصات المحمدية وبوزنيقةوبنسليمان من هذه الأصوات النابضة بروح الوطن يعد هدرًا ثقافيًا حقيقيًا يستدعي التفاتة عاجلة وصادقة من كافة مدراء المهرجانات، والذين باتت الكرة في مرماهم لاعتماد مقاربات عملية؛ تبدأ بتخصيص كوتا ثابتة للاحتفاء بمبدعي مغاربة العالم، وإحداث لجان انتقاء مستقلة من نقاد وباحثين، وإطلاق منصات رقمية لتلقي العروض المبتكرة مباشرة وشفافية. إن هذه المسؤولية الوطنية تفرض نفسها اليوم على كبريات المحافل بالمملكة؛ إذ يتطلع المتتبعون أن تبادر إدارة مهرجان "موازين" بالرباط لفتح منصاتها العالمية لهؤلاء السفراء، وأن يلتفت مهرجان العيطة بسطات لركائز هذا الفن في الغربة، تماماً كما يُنتظر من موسم طانطان الثقافي، ومهرجان العيون، وموسم أصيلة الدولي، إنصاف كفاءات المهجر وتثمين مساهماتهم في صون الرأسمال اللامادي المغربي، تمهيداً لبناء مشهد فني منصف، شفاف، ويتسع لكل المبدعين المستعدين لتقديم الإضافة، تماشياً مع الطموح الوطني لإعلاء راية الثقافة المغربية عالميا،إن فتح الأبواب أمام الفنان كمال الطالياني بجانب أساطير المهنة وروادها الكبار من طينة موحى أمزيان، ولد الحوات، وعبد العزيز الستاتي، وغيرهم الكثير من رموز الإبداع الشعبي، هو السبيل الوحيد لإعادة التوازن للمشهد الفني؛ فهؤلاء هم حماة النغمة الأصيلة والذاكرة الحية للمغاربة أينما حلوا وارتحلوا. وكما يُقال في مأثور الفلسفة الفنية والجمالية: "إن الفن وطنٌ لا تحده الجغرافيا، ونغمٌ لا يعترف بالمسافات؛ وحين يغترب الجسد, تظل الروح تنبض بأصالة الأرض، لتثبت أن أوتار الغربة لا تعزف إلا ألحان العودة والوفاء للجذور