بقلم: خاليد بكيوض – السمارة

في سياق الاحتفاء بالذكرى الأولى لعيد الوحدة، التأمت بمدينة السمارة، اليوم الأربعاء، ثلة من الباحثين والأكاديميين في رحاب كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، ضمن ندوة دولية موسومة بـ«الروابط العابرة للحدود والذاكرة المشتركة: تحليل للتلاقح الثقافي بين الصحراء وجزر الكناري»، وذلك بتعاون مع المديرية الإقليمية للثقافة بالسمارة، في موعد علمي يروم سبر أغوار التاريخ، واستجلاء ما اختزنته الذاكرة من وشائج إنسانية وثقافية بين ضفتي المحيط الأطلسي.

ولم يكن هذا الملتقى مجرد استعادة لوقائع سالفة، أو استحضار لصفحات من التاريخ طواها الزمن، بل شكل مدخلا لمساءلة مسارات التواصل بين الصحراء وجزر الكناري، وما نسجته القرون من علائق ومبادلات وتفاعلات تجاوزت تخوم المكان، وأسهمت في تداول المعارف والعادات والتقاليد، وتشكيل رصيد مشترك تتداخل فيه الجغرافيا بالتاريخ، وتتعانق فيه الذاكرة مع الهوية.

وقد انبرى المشاركون، من أهل الاختصاص في التاريخ والأنثروبولوجيا والجغرافيا والتراث والدراسات الاجتماعية والقانونية، إلى مقاربة هذا الموضوع من مشارب معرفية متباينة، مستندين إلى الوثائق والشواهد والقرائن التاريخية، ومستنطقين ما بقي من آثار التواصل بين المجتمعات الصحراوية والكنارية، في مسعى إلى تمحيص الروايات، واستجلاء الوقائع، وإعادة قراءة العلاقات التاريخية في ضوء مناهج البحث العلمي المعاصر.

واستهلت الجلسة العلمية الأولى، التي أدارها الدكتور مسعود صابر، نقاشا حول الجذور التاريخية للتقارب بين المغرب وجزر الكناري، وما ارتبط بها من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية، إلى جانب تناول تمثلات السكان الأصليين والمشهد الصخري، ودور الشواهد الأثرية والمصادر التاريخية في فك مغالق الماضي. كما حضرت الصحافة الكنارية موضوعا للبحث من خلال دراسة صورة المغاربة في الخطاب الإعلامي التاريخي، وما يتيحه ذلك من إمكانات لفهم تحولات التمثلات عبر الأزمنة.

أما الجلسة الثانية، التي أدارتها الدكتورة سناء بنهنية، فقد اتجهت إلى استقراء مظاهر التداخل الثقافي في الحياة اليومية، من خلال العادات الغذائية وأسماء الأماكن، فضلا عن قراءة جغرافية تاريخية لرحلة الشيخ سيدي الكبير إلى مراكش بالاستناد إلى وثائق التملك. وتناولت المداخلات كذلك تجليات الثقافة الصحراوية المادية واللامادية في الكتابات الإسبانية خلال الحقبة الاستعمارية، بما تثيره هذه المصادر من أسئلة حول التوثيق التاريخي وحدود القراءة والتأويل.

وامتد النظر العلمي إلى قضايا الإنتاج الثقافي المشترك، وآثار التلاقح الصحراوي الكناري إبان الفترة الاستعمارية، فضلا عن الأطر القانونية الكفيلة بحماية التراث وصيانة مكوناته من الاندثار. وهي مباحث تكتسي أهميتها من كونها تصل بين المعرفة التاريخية وواجب حفظ الذاكرة، وتجعل من التراث مادة حية للدرس والتوثيق، لا مجرد أثر من آثار العصور الغابرة.

وفي ثنايا هذه المداخلات، برزت أهمية الرواية الشفوية والعادات المتوارثة والرموز الثقافية والأسماء الجغرافية، بوصفها شواهد على حياة المجتمعات وتحولاتها، ومفاتيح لفهم ما قد تغفله المصادر المكتوبة من تفاصيل الحياة اليومية ومسارات التفاعل الإنساني. فالذاكرة، وإن علاها غبار السنين، تظل حافلة بقرائن تستدعي التنقيب والمقارنة والتحقيق، حتى يستبين للباحث ما خفي من صلات الماضي وامتداداته.

وتكشف هذه المقاربة متعددة التخصصات عن حاجة ملحة إلى إرساء مشاريع بحثية مشتركة بين الجامعات ومراكز الدراسات، وتبادل الأرشيفات والوثائق، وتشجيع البحوث الميدانية، بما يتيح قراءة أكثر اتساعا للتاريخ الاجتماعي والثقافي للمنطقة، ويعزز سبل صون الموروث المادي واللامادي وتثمينه.

ومن هذا المنطلق، يكتسب احتضان كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالسمارة لهذا اللقاء دلالة أكاديمية خاصة، باعتباره إسهاما في تنشيط البحث العلمي بالأقاليم الجنوبية، وتوسيع مجالات الانفتاح على التجارب الدولية، وإتاحة منبر للحوار بين الباحثين حول تاريخ المجال الصحراوي وامتداداته الأطلسية.

واختتمت أشغال الندوة بجلسة ترأسها الدكتور سيدي سيدي محمد الحمداني، تخللتها كلمة اللجنة المنظمة وتوزيع الشهادات على المشاركين، في ختام محفل علمي شدد على أهمية مواصلة التنقيب في دفائن الذاكرة المشتركة، وتوثيق شواهدها، وفتح آفاق جديدة للتعاون الأكاديمي والثقافي.

إن استحضار الروابط بين الصحراء وجزر الكناري لا يروم الوقوف عند أطلال الماضي فحسب، بل يتوخى استنطاقه واستخلاص دلالاته، حتى يغدو التاريخ جسرا للمعرفة، ويصبح التراث أمانة تصان من الضياع، ورافدا من روافد فهم الحاضر واستشراف المستقبل. فالذاكرة التي تجد من ينفض عنها غبار الإهمال، ويعيد قراءة شواهدها بعين الباحث المتثبت، تظل قادرة على الإسهام في إثراء المعرفة الإنسانية وترسيخ ثقافة الحوار بين المجتمعات.