بقلم: هشام فرجي

يشكل مشروع قانون المالية لسنة 2027 محطة اقتصادية وسياسية مهمة، في ظل تطلعات المغاربة إلى تحسين قدرتهم الشرائية، وتوفير فرص الشغل، والارتقاء بالخدمات العمومية، ولا سيما في قطاعي الصحة والتعليم. ويأتي المشروع في سياق انتقال الحكومة الجديدة من عرض برنامجها للفترة المقبلة إلى مرحلة وضع الاختيارات المالية والاقتصادية موضع التنفيذ.

وقد اعتمد مجلس الحكومة مشروع القانون رقم 60.26 يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، بعد المصادقة على التوجهات العامة للمشروع في المجلس الوزاري المنعقد يوم 17 أكتوبر. ويظل النص، في التاريخ المحدد لهذا التحيين، مشروعًا يخضع للمسطرة البرلمانية، بما يقتضيه ذلك من مناقشة وتعديلات وتصويت قبل صدور القانون النهائي.

أولًا: نمو اقتصادي متوقع في حدود 4.1%
تتوقع المعطيات الاقتصادية المعلنة أن يحقق الاقتصاد المغربي نموًا حقيقيًا في حدود 4.1% خلال سنة 2027. وتستند هذه التوقعات إلى مجموعة من الفرضيات المرتبطة بأداء القطاعات الإنتاجية، والطلب الداخلي، والاستثمار، والتجارة الخارجية.

وتتوزع أبرز الفرضيات القطاعية على النحو الآتي:

ارتفاع القيمة المضافة للقطاع الفلاحي بنسبة 1.2%، بناءً على فرضية محصول من الحبوب يبلغ 70 مليون قنطار.
نمو القيمة المضافة للأنشطة غير الفلاحية بنسبة 4.3%.
نمو أنشطة القطاع الثانوي بنسبة 4.9%.
نمو أنشطة القطاع الثالثي بنسبة 4.1%.
ارتفاع تكوين رأس المال الثابت بنسبة 4.6%.
زيادة حجم الصادرات بنسبة 7.3%، مقابل ارتفاع حجم الواردات بنسبة 7%.
تعكس هذه الأرقام رهانات على استمرار الاستثمار وتحسن النشاط الاقتصادي، لكنها تظل توقعات مشروطة بالظروف الداخلية والخارجية. فالموسم الفلاحي يظل حساسًا للتساقطات والتغيرات المناخية، فيما يتأثر الاقتصاد الوطني بتقلبات الأسواق الدولية وأسعار الطاقة والمواد الأولية وحركة التجارة العالمية.

كما أن بلوغ معدل النمو المتوقع لا يكفي وحده للحكم على نجاح السياسة الاقتصادية. فالأهم هو معرفة مدى قدرة هذا النمو على خلق فرص الشغل، ورفع إنتاجية المقاولات، وتحسين الأجور والرواتب ومختلف المداخيل التي تحصل عليها الأسر.

ثانيًا: القدرة الشرائية في صلب الاختبار الاجتماعي
تظل القدرة الشرائية من أكثر المؤشرات ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطنين. فالمغاربة يقيسون أثر السياسات الاقتصادية بما يتبقى من مداخيلهم بعد أداء تكاليف الغذاء والسكن والنقل والتعليم والصحة وسائر الحاجيات الأساسية.

ويضع المشروع ضمن توجهاته دعم القدرة الشرائية وتعزيز أسس الدولة الاجتماعية، إلى جانب مواصلة تعميم التغطية الصحية، وتطوير المساعدة الاجتماعية المباشرة، وتحسين خدمات الصحة والتعليم، ودعم الولوج إلى السكن.

غير أن نجاح هذه التوجهات يقتضي الانتقال من إعلان الأهداف إلى قياس نتائجها الفعلية. فالمعيار الحاسم هو مدى تحسن الدخل الحقيقي للأسر، أي قدرة المداخيل على مواكبة تطور الأسعار، ومدى استفادة الفئات المتوسطة والهشة من التدابير المتخذة.

ومن الضروري أيضًا تقييم أثر السياسات العمومية على أسعار المواد الأساسية، وتكاليف النقل والسكن، وجودة الخدمات العامة. فقد يستفيد المواطن من دعم مالي مباشر، لكنه يظل تحت ضغط ارتفاع النفقات إذا لم تتحسن قدرته الشرائية الفعلية.

ثالثًا: التشغيل والشباب.. من الوعود إلى النتائج
يمثل التشغيل أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، خصوصًا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات. ولذلك، يكتسي رهان إدماج الشباب في التعليم والتكوين والحياة المهنية أهمية مركزية في تقييم السياسة الحكومية.

ويتضمن البرنامج الحكومي للفترة 2027–2031 توجهًا نحو دعم التكوين والمواكبة والتمويل والضمانات وتيسير الولوج إلى الأسواق، بما يرمي إلى تشجيع المبادرة المقاولاتية وتحسين فرص الإدماج المهني.

لكن فعالية هذه التدابير ستتوقف على مدى ارتباط التكوين بحاجيات الاقتصاد، وقدرة المقاولات على التوسع، وتطور الاستثمار المنتج، وتبسيط المساطر الإدارية، وتوفير بيئة مشجعة على الابتكار والمبادرة.

كما ينبغي ألا يقتصر تقييم التشغيل على عدد المناصب المعلن عنها، بل يجب أن يشمل طبيعة هذه المناصب، واستقرارها، ومستوى أجورها، وظروف العمل فيها، ومدى استفادة الشباب والنساء والجهات الأقل حظًا من فرص الإدماج.

رابعًا: الاستثمار والقطاعات الإنتاجية
يراهن المغرب على الاستثمار باعتباره رافعة للنمو وخلق الثروة. ويشمل ذلك الاستثمار العمومي، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتقوية البنيات التحتية، وتطوير المنظومات الصناعية، ودعم القطاعات التي يمكن أن ترفع القيمة المضافة الوطنية.

غير أن ارتفاع حجم الاستثمار لا يؤدي تلقائيًا إلى نتائج اقتصادية واجتماعية متناسبة معه. فالنتائج تتوقف على جودة المشاريع، ومدى إنجازها داخل الآجال المحددة، وقدرتها على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة.

ومن هنا تبرز أهمية تقييم المشاريع العمومية وفق مؤشرات واضحة تشمل الكلفة، والآجال، والأثر الاقتصادي والاجتماعي، وعدد فرص العمل المستحدثة، ومدى استفادة المقاولات المغربية من سلاسل الإنتاج والتوريد.

ويحتاج الاستثمار الخاص بدوره إلى مناخ أعمال يتسم بالوضوح القانوني، وسرعة معالجة الملفات، وتكافؤ الفرص، والحد من العراقيل الإدارية، مع تعزيز المنافسة ومحاربة الممارسات التي تضعف شفافية الأسواق.

خامسًا: التوازنات المالية واستدامة المديونية
تواجه المالية العمومية معادلة دقيقة: تمويل الأولويات الاجتماعية والاستثمارية، مع الحفاظ على استدامة الدين والعجز وتجنب الضغوط التي قد تحد من قدرة الدولة على التدخل مستقبلًا.

وقد عرضت الحكومة الجديدة أهدافًا متوسطة المدى للفترة 2027–2031، من بينها تحقيق نمو سنوي متوسط في حدود 5%، وحصر عجز الميزانية في حدود 3% من الناتج الداخلي الإجمالي، والتحكم في التضخم قرب 2%، والسعي إلى خفض نسبة الدين العمومي إلى أقل من 62% من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031.

وينبغي التمييز هنا بين هذه الأهداف الحكومية متوسطة المدى وبين التوقعات الخاصة بسنة 2027. فمعدل النمو المتوقع لسنة 2027، وفق الفرضيات المعلنة، يبلغ 4.1%، في حين يتعلق هدف 5% بمتوسط النمو خلال فترة 2027–2031.

وتظل هذه الأهداف رهينة بتطور المداخيل العمومية، وكلفة خدمة الدين، ومستوى الإنفاق، ومعدلات النمو الفعلية. كما أن تحقيق التوازنات المالية ينبغي أن يتم بطريقة تحافظ على الاستثمار المنتج والخدمات الأساسية، بدل أن يتحول ضبط النفقات إلى عامل يحد من فرص النمو على المدى الطويل.

سادسًا: الأرقام الحكومية متعددة السنوات ليست اعتمادات سنة واحدة
تتداول المعطيات المتعلقة بالبرنامج الحكومي أرقامًا مهمة بشأن تمويل الأولويات خلال المرحلة المقبلة، من بينها غلاف إجمالي في حدود 390 مليار درهم للمشاريع الحكومية، موزع بين 314 مليار درهم من ميزانية الدولة و76 مليار درهم عبر آليات وموارد خارج الميزانية.

وتشمل التوزيعات المعلنة مجالات الحماية الاجتماعية، والحفاظ على القدرة الشرائية، والتنمية الترابية المندمجة، والإدماج المهني للشباب، والبنيات التحتية الأساسية.

لكن القراءة الدقيقة لهذه الأرقام تقتضي عدم تقديمها باعتبارها نفقات سنوية خاصة بقانون مالية 2027؛ فهي مرتبطة بالغلاف المالي للبرنامج الحكومي متعدد السنوات. كما ينبغي التمييز بين هذه الأغلفة الإجمالية وبين الاعتمادات المرصودة فعليًا في الوثائق الميزانياتية السنوية لكل قطاع.

وتكمن أهمية هذه الأرقام في أنها تعطي تصورًا عن أولويات الحكومة، غير أن الحكم على مدى واقعيتها يتطلب معرفة مصادر التمويل، وجدولة التنفيذ، ومؤشرات الإنجاز، والنتائج التي ستتحقق على أرض الواقع.

سابعًا: الجهوية المتقدمة والتنمية الترابية
تحتل التنمية الترابية المندمجة مكانة ضمن الأولويات الحكومية، في ظل استمرار التفاوتات بين الجهات والأقاليم والجماعات، سواء من حيث البنيات التحتية أو فرص الشغل أو الولوج إلى الخدمات الأساسية.

وتتجه المعطيات المعلنة إلى تعبئة نحو 25 مليار درهم لبرامج الجيل الجديد من التنمية الترابية المندمجة. ويظل الأثر الحقيقي لهذا التوجه مرتبطًا بتحديد الحاجيات المحلية بدقة، وإشراك الفاعلين الترابيين، وضمان تكامل المشاريع، وربط التمويل بالنتائج.

فالتنمية الترابية لا تقاس بعدد المشاريع المبرمجة وحده، وإنما بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للسكان: تحسين الولوج إلى المدارس والمراكز الصحية، وتطوير النقل، وتوفير الماء والتجهيزات الأساسية، ودعم الأنشطة الاقتصادية المحلية، وتقليص الفوارق في فرص العيش والعمل.

ثامنًا: الإصلاح الجبائي وضرورة الإنصاف
يظل النظام الجبائي عنصرًا أساسيًا في تمويل السياسات العمومية وتحقيق قدر من الإنصاف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.

ويقتضي تقييم التوجهات الجبائية التمييز بين توسيع الوعاء الضريبي، ومحاربة التهرب، وتحسين التحصيل، وتخفيف العبء عن الفئات التي تتحمل ضغطًا ضريبيًا مرتفعًا مقارنة بمداخيلها.

كما ينبغي تقييم الإصلاحات من زاوية أثرها على المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وقدرتها على الاستثمار والتشغيل، ومدى مساهمة مختلف الأنشطة الاقتصادية في تحمل التكاليف العامة وفق قواعد عادلة وواضحة.

ولا يصح الجزم بتغييرات ضريبية محددة أو تقديمها باعتبارها مقتضيات نهائية قبل التحقق من النص التشريعي المعتمد وما ستسفر عنه المناقشة البرلمانية. فالمشروع قد يعرف تعديلات قبل المصادقة النهائية، وهو ما يجعل الرجوع إلى الوثائق الرسمية أمرًا ضروريًا عند تناول تفاصيل الضرائب والإعفاءات والمساهمات.

تاسعًا: كيف يمكن قياس نجاح قانون المالية؟
بعيدًا عن الخطاب العام، يمكن تقييم النتائج الاقتصادية والاجتماعية خلال سنة 2027 عبر مجموعة من المؤشرات العملية:

النمو الاقتصادي: مقارنة النمو المحقق بالتوقعات، مع تحليل مساهمة القطاعات المختلفة فيه.
القدرة الشرائية: تتبع تطور الأسعار والأجور والرواتب ومختلف المداخيل التي تحصل عليها الأسر.
التشغيل: قياس عدد فرص العمل الصافية، ومعدلات البطالة، وجودة المناصب المستحدثة.
الاستثمار: تتبع نسب تنفيذ المشاريع العمومية، وحجم الاستثمار الخاص، والأثر على الإنتاج والتشغيل.
الخدمات الاجتماعية: قياس تحسن الولوج إلى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، وجودة الخدمات المقدمة.
المالية العمومية: تتبع العجز والمديونية ومداخيل الدولة ونفقاتها، ومدى احترام الأهداف المعلنة.
العدالة المجالية: تقييم توزيع المشاريع والموارد، ومدى تقليص الفوارق بين الجهات والمناطق.
وتزداد أهمية هذه المؤشرات عندما تكون مصحوبة ببيانات دورية واضحة، تسمح للمواطنين والباحثين والبرلمان بتقييم ما تحقق، ومقارنة النتائج بالالتزامات المعلنة.

خاتمة: نجاح الميزانية بما تغيره في حياة الناس
يقدم مشروع قانون المالية لسنة 2027 رهانات اقتصادية واجتماعية مهمة، تتعلق بالنمو والاستثمار والتشغيل والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية. وتمنح التوقعات الاقتصادية صورة عن المسار الذي تستهدفه السياسات العمومية، لكنها لا تمثل في حد ذاتها ضمانًا لتحقيق النتائج.

فالاختبار الحقيقي يبدأ مع التنفيذ: هل ستتحول الاستثمارات إلى إنتاج وفرص شغل؟ وهل ستتحسن المداخيل الحقيقية للأسر؟ وهل ستصبح الخدمات الصحية والتعليمية أكثر جودة وفعالية؟ وهل ستتراجع الفوارق المجالية والاجتماعية؟ وهل ستتحقق الأهداف المالية دون إضعاف الاستثمار المنتج؟

إن الميزانية الناجحة هي التي تجمع بين الانضباط المالي والإنصاف الاجتماعي، وبين تحفيز الاقتصاد وحماية الفئات الهشة، وبين الإعلان عن الأهداف وتقديم نتائج قابلة للقياس.

وفي النهاية، سيحكم المغاربة على قانون المالية من خلال أثره الملموس على حياتهم اليومية، لا من خلال حجم الأرقام المعلنة وحده.