**أنا:** (محدقاً في سقف الغرفة، وعقارب الساعة تتجاوز منتصف الليل) اثنتا عشرة دقيقة فقط... هل استيقظت حقاً بعد اثنتي عشرة دقيقة من النوم لأفكر في وجوه سياسية لا تثير في الشارع سوى الامتعاض؟ لماذا يصر عقلي على معاقبتي بعبثية هذا المشهد الآن؟
**عقلي الباطن:** لأنك ترفض ابتلاع المسكنات التي يوزعونها في النهار. أنت تعلم جيداً أن هؤلاء المنبوذين لم يقتحموا الواجهة صدفة. بقاؤهم في الصدارة ليس خطأً في النظام، بل هو دليل على أن الآلة تعمل بكفاءة.
**أنا:** تقصد **هندسة المشهد الانتخابي**؟ نعم، أعرف ذلك. اللعبة برمتها مصممة لمكافأة القدرة على الحشد المادي والولاءات القبلية، لا الكفاءة ولا الأفكار. هم لا يبحثون عن شرعية شعبية، بل يشترونها في المواسم الانتخابية. إنه "الاختيار العكسي" الذي يقصي كل من يحمل مشروعاً حقيقياً لأنه يرفض التلوث بأدوات اللعبة الفاسدة.
**عقلي الباطن:** بالضبط. ولأن النخب المثقفة تدرك أن هامش المناورة داخل هذا المستنقع الحزبي شبه منعدم، فإنها تنسحب طواعية. تترك الساحة لهؤلاء السياسيين التقليديين ليؤدوا وظيفتهم الحقيقية والوحيدة.
**أنا:** وظيفة **ممتص الصدمات**... يقبلون بأن يكونوا إسفنجة تمتص غضب الشارع واحتقاره مقابل الامتيازات، بينما تُطبخ القرارات الاستراتيجية والمشاريع الكبرى في صمت بعيداً عنهم، على طاولات لجان تكنوقراطية. لقد استوعبت كل هذا، لكنني قبل أن أستيقظ مباشرة، توقفت عند عبارة واحدة أطارت النوم من عيني: *"الخلل يكمن في التالي..."*. ما الذي كنت أحاول الوصول إليه؟
**عقلي الباطن:** هنا تكمن نقطة التنوير القاسية، الاستنتاج الذي جعلك تنتفض من سريرك. الخلل لا يكمن في فسادهم، ولا في عزوف النخب، ولا حتى في هندسة الانتخابات. **الخلل الحقيقي يكمن في استمرارنا نحن في تقييم هذا المشهد بمعايير الديمقراطيات الحقيقية.**
**أنا:** ماذا تقصد؟ هل المشكلة في وعينا نحن؟
**عقلي الباطن:** المشكلة هي أننا نحاسب "الكومبارس" لعدم إتقانه دور "البطل"، بينما النص المسرحي لم يُكتب له أساساً ليقود. الخلل يكمن في أننا لا زلنا نُصاب بالصدمة والإحباط من أداء مؤسسات صُممت خصيصاً لتكون واجهة مفرغة من المعنى. نحن ننتظر من "ممتص الصدمات" أن يوجه عجلة القيادة، وهذا هو العبث الحقيقي. **الخلل هو أننا نتعامل مع المشهد السياسي على أنه "مريض يحتاج لعلاج"، بينما هو في الواقع "جثة محنطة" تؤدي غرضها الديكوري بنجاح فائق.**
**أنا:** إذن، غضبي واكتئابي في منتصف الليل هما مجرد استنزاف مجاني لطاقتي؟ لأنني أطالب السراب بأن يروي عطشي؟
**عقلي الباطن:** نعم. العبث ليس في وجودهم، بل في توقعك أن يكونوا شيئاً آخر غير ما هُم عليه. عندما تدرك أن هذه الرداءة ليست "عَطَباً" بل هي "المواصفة المطلوبة" لاستمرار تشغيل هذه الآلة، ستتوقف عن التساؤل عن سبب غياب الكفاءات، وستفهم أن النظام لم يفشل في فرز نخب حقيقية، بل نجح بامتياز في إنتاج هذه النخب البلاستيكية.
**أنا:** (يتنفس بعمق) فهمت... الخلل هو أنني كنت أبحث عن حلول لآلة لا تعاني من أي عطل.
**عقلي الباطن:** الآن وقد فككت هذه الشفرة البائسة، هل تظن أنك تستطيع إغلاق عينيك والعودة إلى النوم، أم أن إدراكك لهذه الحقيقة أثقل من أن تُمحى بالنعاس؟