فتيحة عزيب اخصائية نفسية اكلينيكية



ليست البيدوفيليا مجرد انحراف جنسي معزول، كما يُقدَّم أحيانًا في الخطاب العام، بل هي ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل نفسية ومعرفية وبيولوجية واجتماعية، تجعل من فهمها مسألة علمية بقدر ما هي إنسانية وأخلاقية. هذا ما تؤكده الأبحاث الحديثة في علم النفس السريري وعلوم الأعصاب، وما كشفت عنه قضايا كبرى هزّت الرأي العام، مثل قضية رجل الأعمال الأميركي جيفري إبستين، التي أعادت طرح سؤالٍ مزعج: كيف يمكن لانتهاكات بهذا الحجم أن تستمر لسنوات دون رادع؟

وفق الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM‑5‑TR)، تُعرّف البيدوفيليا بأنها ميل جنسي مستمر تجاه الأطفال قبل سن البلوغ، يستمر لستة أشهر على الأقل، وقد يتحول إلى خطر فعلي عندما يُترجم إلى سلوك. لكن التعريف الطبي لا يختزل الظاهرة، بل يفتح الباب أمام تحليل أعمق للبنية النفسية والعقلية لهؤلاء الأفراد.

من الناحية السريرية، تشير دراسات متعددة إلى أن كثيرًا من الأشخاص الذين يعانون من ميول بيدوفيلية يُظهرون ضعفًا واضحًا في النضج العاطفي. العلاقات مع البالغين تكون بالنسبة لهم معقدة، مليئة بالإحباط أو التهديد، في حين يبدو الطفل ـ في تمثلاتهم النفسية ـ كائنًا “آمنًا” يمكن السيطرة عليه. هذا الخلل في النضج لا يظهر فجأة، بل يتشكل عبر تاريخ نفسي طويل، غالبًا ما يتسم بصعوبات في التعلق وتنظيم الانفعالات.

إلى جانب ذلك، يبرز ضعف التعاطف كعنصر محوري. فهؤلاء الأفراد يواجهون صعوبة حقيقية في إدراك الألم النفسي للآخر، أو في الاعتراف بحدود الطفل وحقوقه. ولتقليل التوتر الداخلي، تُستعمل آليات دفاعية معقدة: التبرير، الإنكار، أو إعادة تأويل الفعل على أنه “غير مؤذٍ”. هكذا يتحول الاعتداء، في وعي الجاني، إلى فعل مُخفَّف من ثقله الأخلاقي.

غير أن الصورة لا تكتمل دون المرور عبر الدماغ نفسه. فقد كشفت أبحاث في علوم الأعصاب عن وجود اختلالات في مناطق أساسية مسؤولة عن التحكم في السلوك، وعلى رأسها القشرة الجبهية الأمامية. هذه المنطقة تلعب دورًا حاسمًا في التخطيط، ضبط الاندفاع، وتقدير العواقب. حين يضعف أداؤها، يصبح كبح الدوافع أكثر صعوبة، حتى في ظل معرفة واضحة بالقوانين والعقوبات.

كما أظهرت الدراسات وجود اضطرابات في ما يُعرف بالوظائف التنفيذية: الذاكرة العاملة، المرونة الإدراكية، والقدرة على تعديل السلوك عند مواجهة نتائج سلبية. بعض الأفراد يعجزون عن التعلم من الخطأ، فيكررون الفعل ذاته، مدفوعين بتفكير جامد وانحرافات معرفية تجعلهم يقللون من حجم الضرر الواقع على الضحايا.

لكن العلم يحذر من اختزال البيدوفيليا في الدماغ وحده. فالعوامل البيولوجية لا تُنتج الجريمة بشكل حتمي، بل تخلق قابلية قد تتحول إلى سلوك فعلي عندما تجد بيئة اجتماعية مواتية. وهنا يبرز البعد الاجتماعي بكل ثقله.

قضية إبستين مثال صارخ على هذا التداخل. النفوذ المالي، الشبكات الاجتماعية المغلقة، ضعف الرقابة، وثقافة الصمت، كلها عناصر صنعت “مناخًا حاميًا” للانتهاك. في مثل هذه السياقات، لا يعمل الخلل النفسي أو المعرفي في الفراغ، بل يجد من يبرره أو يغض الطرف عنه، ما يسمح له بالاستمرار لسنوات طويلة.

تُظهر هذه المعطيات أن البيدوفيليا ليست فقط مسألة فردية، بل مرآة لخلل أوسع، يشمل ضعف أنظمة الحماية، وتواطؤ الصمت، واختلال ميزان السلطة. ولهذا، فإن مواجهتها لا يمكن أن تقتصر على العقاب وحده، بل تتطلب فهمًا علميًا عميقًا، يربط بين النفس والدماغ والمجتمع، ويضع الوقاية وحماية الأطفال في صدارة الأولويات.

في النهاية، ما تكشفه الأبحاث ليس تبريرًا للجريمة، بل دعوة صريحة إلى مقاربة أكثر وعيًا وتعقيدًا، تُدرك أن الانتهاك يولد غالبًا عند نقطة التقاء خلل داخلي مع سياق خارجي يسمح له بالتحول إلى فعل