بقلم: بوشعيب حمراوي
أثار البلاغ التوضيحي الصادر عن رئاسة جامعة ابن طفيل بالقنيطرة جدلاً واسعاً داخل الأوساط الجامعية والحقوقية، خصوصاً بعد القرارات التأديبية التي همّت عدداً من الطلبة، والتي اعتبرتها بعض الهيئات الحقوقية “تعسفية”، في حين قدمت إدارة الجامعة رواية مغايرة لما جرى داخل الحرم الجامعي. وبين هاتين الروايتين تبرز أسئلة عميقة حول حدود الاحتجاج الطلابي، وواجبات الإدارة الجامعية، ومسؤولية الجميع في حماية الجامعة باعتبارها فضاءً للعلم والمعرفة وليس ساحة للصراع المفتوح.
البلاغ الرسمي الصادر عن رئاسة الجامعة قدم صورة مقلقة عن الأحداث التي شهدها الحرم الجامعي خلال الموسم الجامعي 2025-2026. إذ تحدث عن اقتحام مرافق إدارية، وعرقلة تسجيل الطلبة، والدعوة إلى مقاطعة الدروس والامتحانات باستعمال الضغط والترهيب، بل ووصل الأمر ( حسب البلاغ ) إلى تعطيل العملية البيداغوجية وحرمان أكثر من 90 ألف طالب وطالبة من حقهم في التعلم.
وفي خضم هذا التوتر الذي شهده الحرم الجامعي، برزت معطيات أخرى لا تقل أهمية، حيث أكدت رئاسة الجامعة توصلها بعشرات الشكايات والتقارير الصادرة عن أساتذة وأطر إدارية، تضمنت روايات مفصلة لما اعتبروه أعمال ترهيب واعتداءات لفظية وجسدية داخل فضاء يفترض أن تحكمه قيم الاحترام والحوار الأكاديمي. وقد دفع هذا الوضع ببعض المتضررين إلى اللجوء إلى السلطات الأمنية المختصة طلباً للحماية القانونية. كما عبرت تنظيمات نقابية جامعية، من بينها المكاتب المحلية للنقابة الوطنية للتعليم العالي والفرع الجهوي لنقابة الموظفين التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، عن إدانتها الشديدة لما وصفته بتنامي مظاهر العنف داخل الحرم الجامعي، مطالبة باتخاذ الإجراءات القانونية الكفيلة بحماية الأطر البيداغوجية والإدارية وضمان السير العادي للمرفق الجامعي. وفي السياق نفسه، أصدرت عدد من الشعب والتخصصات الجامعية بيانات تنديد بما اعتبرته اعتداءات طالت الأطقم التربوية، وهو ما يعكس حجم القلق الذي بات يسود داخل الوسط الجامعي بشأن الحفاظ على هيبة الجامعة وصون رسالتها العلمية
هيئات تدعم الطلبة المعاقبين بالطرد
في المقابل، برز خطاب حقوقي يطعن في الإجراءات التأديبية المتخذة،عبر المنتدى المغربي للديمقراطية وحقوق الإنسان.معتبراً أن طرد بعض الطلبة (18 طالب وطالبة)، يشكل تعسفا و مساساً بالحق في الاحتجاج والتنظيم والتعبير، وهي حقوق يكفلها الدستور المغربي والمواثيق الدولية. ويرى أصحاب هذا الموقف أن المسطرة التأديبية شابتها اختلالات قانونية، وأن الجامعة لجأت إلى مقاربة زجرية بدل فتح قنوات الحوار.
وأعرب المكتب الوطني للشبيبة العاملة المغربية، التابعة للاتحاد المغربي للشغل، عن رفضه القاطع لقرار فصل 18 طالبة وطالباً من جامعة ابن طفيل، معتبراً أن هذا الإجراء يمثل قراراً تعسفياً يستهدف الحريات النقابية والسياسية داخل الفضاء الجامعي. ودعا البيان إلى التراجع الفوري عن هذا القرار وإرجاع الطلبة المعنيين إلى مقاعد الدراسة دون قيد أو شرط، مؤكداً أن ما قاموا به يندرج في إطار ممارسة حقوقهم الدستورية المشروعة في التعبير والاحتجاج السلمي. كما عبّر المكتب الوطني عن دعمه لنضالات الحركة الطلابية ضد القانون الجامعي الجديد رقم 59.24، داعياً إلى فتح حوار وطني حقيقي حول إصلاح منظومة التعليم العالي بمشاركة الطلبة وممثليهم وكافة الفاعلين الجامعيين والقوى الديمقراطية، من أجل الدفاع عن جامعة عمومية ديمقراطية ومجانية. هنا يطرح السؤال الجوهري: أين تنتهي حرية الاحتجاج، وأين يبدأ الاعتداء على حق الآخرين في التعلم؟
الاحتجاج والدراسة حقان مشروعان
لا أحد يجادل في أن الحركة الطلابية لعبت تاريخياً دوراً مهماً في الدفاع عن قضايا الجامعة والمجتمع، وأن الاحتجاج السلمي حق مشروع ومكفول دستورياً. لكن هذا الحق لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتعطيل الدراسة أو فرض المقاطعة بالقوة أو المساس بكرامة الأساتذة والإداريين. فالحرم الجامعي ليس مجالاً للفوضى، بل مؤسسة عمومية لها قواعدها وضوابطها، وأي سلوك يهدد السير العادي للدروس والامتحانات يضع الإدارة أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لحماية المرفق العمومي.
وفي الوقت نفسه، فإن الجامعة ليست مؤسسة عقابية، ولا ينبغي أن تتحول الإجراءات التأديبية إلى وسيلة لإغلاق باب الحوار أو لتصفية الخلافات. فمستقبل الطلبة ومسارهم الأكاديمي قضية حساسة، تستدعي التوازن بين تطبيق القانون واحترام الضمانات الحقوقية، وبين الحزم الإداري والحكمة التربوية.
إن ما وقع في جامعة ابن طفيل يكشف عن أزمة أعمق من مجرد خلاف إداري أو احتجاج طلابي. إنه يعكس خللاً في آليات الحوار داخل الجامعة، وضعفاً في قنوات الوساطة التي كان يفترض أن تمنع الوصول إلى هذه المرحلة من التصعيد. فالجامعة، في نهاية المطاف، فضاء للتفكير الحر والنقاش المسؤول، وليست ساحة للصدام بين الإدارة والطلبة.
ولذلك فإن المخرج الحقيقي من مثل هذه الأزمات لا يكمن فقط في القرارات التأديبية أو البيانات الحقوقية، بل في إعادة بناء الثقة داخل الجامعة. ثقة بين الإدارة والطلبة، وبين الأساتذة والحركة الطلابية، تقوم على احترام القانون، وصون حرية التعبير، وحماية الحق الجماعي في التعلم.
فالجامعة المغربية اليوم أمام تحدي الحفاظ على رسالتها العلمية والتربوية في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية المتسارعة. وأول شرط لتحقيق ذلك هو أن تبقى الجامعة فضاءً للعلم والاختلاف المسؤول، لا مسرحاً للتوتر والعنف.
فحين يتحول الصراع داخل الجامعة إلى معركة كسر عظام، يخسر الجميع.الطلبة يخسرون مستقبلهم، والأساتذة يفقدون شروط العمل الأكاديمي الهادئ،والجامعة تفقد صورتها كقلعة للعلم والمعرفة.
عقوبة الطرد غير قانونية
غير أن عقوبة الطرد النهائي من الجامعة تظل من أكثر العقوبات إثارة للنقاش، لأنها في جوهرها غير قانونية و لا يمكن أن تكون عقوبة تربوية بقدر ما قد تتحول إلى قرار قاسٍ يقطع المسار العلمي للشباب. فالجامعة في الأصل ليست فضاءً للعقاب بقدر ما هي حضن للتربية والتعليم والتكوين. ثم إن دستور البلاد يكفل الحق في التعليم لكل المغاربة دون استثناء، والدليل أن حتى المدانين بأحكام قضائية داخل المؤسسات السجنية يظلون يحتفظون بحقهم في متابعة دراستهم واجتياز الامتحانات. لذلك فإن اللجوء إلى الطرد النهائي يطرح سؤال العدالة التربوية: هل نعالج الخطأ بإقصاء صاحبه أم بمحاولة إصلاحه؟ فالسلوك المنحرف لا يولد فجأة، بل يبدأ صغيراً مثل بذرة الشغب، ينمو ويتغذى في غياب التأطير والتوجيه والحوار، وأحياناً في ظل أجواء جامعية يطبعها الإحباط أو الشعور بعدم الإنصاف. والشباب حين يلج أبواب الجامعة يدخلها أساساً طلباً للعلم والمعرفة وبناء المستقبل، لكن حين تغيب البيئة التربوية الحاضنة قد يجد نفسه يتعلم أشياء أخرى لا علاقة لها بالعلم، بل قد تضر بعقله وصحته وتبعده عن الطريق المستقيم. لذلك فإن معالجة مثل هذه الأزمات لا ينبغي أن تقوم فقط على منطق العقاب، بل على منطق التربية والإصلاح وإعادة الإدماج داخل الفضاء الجامعي.
أثار البلاغ التوضيحي الصادر عن رئاسة جامعة ابن طفيل بالقنيطرة جدلاً واسعاً داخل الأوساط الجامعية والحقوقية، خصوصاً بعد القرارات التأديبية التي همّت عدداً من الطلبة، والتي اعتبرتها بعض الهيئات الحقوقية “تعسفية”، في حين قدمت إدارة الجامعة رواية مغايرة لما جرى داخل الحرم الجامعي. وبين هاتين الروايتين تبرز أسئلة عميقة حول حدود الاحتجاج الطلابي، وواجبات الإدارة الجامعية، ومسؤولية الجميع في حماية الجامعة باعتبارها فضاءً للعلم والمعرفة وليس ساحة للصراع المفتوح.
البلاغ الرسمي الصادر عن رئاسة الجامعة قدم صورة مقلقة عن الأحداث التي شهدها الحرم الجامعي خلال الموسم الجامعي 2025-2026. إذ تحدث عن اقتحام مرافق إدارية، وعرقلة تسجيل الطلبة، والدعوة إلى مقاطعة الدروس والامتحانات باستعمال الضغط والترهيب، بل ووصل الأمر ( حسب البلاغ ) إلى تعطيل العملية البيداغوجية وحرمان أكثر من 90 ألف طالب وطالبة من حقهم في التعلم.
وفي خضم هذا التوتر الذي شهده الحرم الجامعي، برزت معطيات أخرى لا تقل أهمية، حيث أكدت رئاسة الجامعة توصلها بعشرات الشكايات والتقارير الصادرة عن أساتذة وأطر إدارية، تضمنت روايات مفصلة لما اعتبروه أعمال ترهيب واعتداءات لفظية وجسدية داخل فضاء يفترض أن تحكمه قيم الاحترام والحوار الأكاديمي. وقد دفع هذا الوضع ببعض المتضررين إلى اللجوء إلى السلطات الأمنية المختصة طلباً للحماية القانونية. كما عبرت تنظيمات نقابية جامعية، من بينها المكاتب المحلية للنقابة الوطنية للتعليم العالي والفرع الجهوي لنقابة الموظفين التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، عن إدانتها الشديدة لما وصفته بتنامي مظاهر العنف داخل الحرم الجامعي، مطالبة باتخاذ الإجراءات القانونية الكفيلة بحماية الأطر البيداغوجية والإدارية وضمان السير العادي للمرفق الجامعي. وفي السياق نفسه، أصدرت عدد من الشعب والتخصصات الجامعية بيانات تنديد بما اعتبرته اعتداءات طالت الأطقم التربوية، وهو ما يعكس حجم القلق الذي بات يسود داخل الوسط الجامعي بشأن الحفاظ على هيبة الجامعة وصون رسالتها العلمية
هيئات تدعم الطلبة المعاقبين بالطرد
في المقابل، برز خطاب حقوقي يطعن في الإجراءات التأديبية المتخذة،عبر المنتدى المغربي للديمقراطية وحقوق الإنسان.معتبراً أن طرد بعض الطلبة (18 طالب وطالبة)، يشكل تعسفا و مساساً بالحق في الاحتجاج والتنظيم والتعبير، وهي حقوق يكفلها الدستور المغربي والمواثيق الدولية. ويرى أصحاب هذا الموقف أن المسطرة التأديبية شابتها اختلالات قانونية، وأن الجامعة لجأت إلى مقاربة زجرية بدل فتح قنوات الحوار.
وأعرب المكتب الوطني للشبيبة العاملة المغربية، التابعة للاتحاد المغربي للشغل، عن رفضه القاطع لقرار فصل 18 طالبة وطالباً من جامعة ابن طفيل، معتبراً أن هذا الإجراء يمثل قراراً تعسفياً يستهدف الحريات النقابية والسياسية داخل الفضاء الجامعي. ودعا البيان إلى التراجع الفوري عن هذا القرار وإرجاع الطلبة المعنيين إلى مقاعد الدراسة دون قيد أو شرط، مؤكداً أن ما قاموا به يندرج في إطار ممارسة حقوقهم الدستورية المشروعة في التعبير والاحتجاج السلمي. كما عبّر المكتب الوطني عن دعمه لنضالات الحركة الطلابية ضد القانون الجامعي الجديد رقم 59.24، داعياً إلى فتح حوار وطني حقيقي حول إصلاح منظومة التعليم العالي بمشاركة الطلبة وممثليهم وكافة الفاعلين الجامعيين والقوى الديمقراطية، من أجل الدفاع عن جامعة عمومية ديمقراطية ومجانية. هنا يطرح السؤال الجوهري: أين تنتهي حرية الاحتجاج، وأين يبدأ الاعتداء على حق الآخرين في التعلم؟
الاحتجاج والدراسة حقان مشروعان
لا أحد يجادل في أن الحركة الطلابية لعبت تاريخياً دوراً مهماً في الدفاع عن قضايا الجامعة والمجتمع، وأن الاحتجاج السلمي حق مشروع ومكفول دستورياً. لكن هذا الحق لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتعطيل الدراسة أو فرض المقاطعة بالقوة أو المساس بكرامة الأساتذة والإداريين. فالحرم الجامعي ليس مجالاً للفوضى، بل مؤسسة عمومية لها قواعدها وضوابطها، وأي سلوك يهدد السير العادي للدروس والامتحانات يضع الإدارة أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لحماية المرفق العمومي.
وفي الوقت نفسه، فإن الجامعة ليست مؤسسة عقابية، ولا ينبغي أن تتحول الإجراءات التأديبية إلى وسيلة لإغلاق باب الحوار أو لتصفية الخلافات. فمستقبل الطلبة ومسارهم الأكاديمي قضية حساسة، تستدعي التوازن بين تطبيق القانون واحترام الضمانات الحقوقية، وبين الحزم الإداري والحكمة التربوية.
إن ما وقع في جامعة ابن طفيل يكشف عن أزمة أعمق من مجرد خلاف إداري أو احتجاج طلابي. إنه يعكس خللاً في آليات الحوار داخل الجامعة، وضعفاً في قنوات الوساطة التي كان يفترض أن تمنع الوصول إلى هذه المرحلة من التصعيد. فالجامعة، في نهاية المطاف، فضاء للتفكير الحر والنقاش المسؤول، وليست ساحة للصدام بين الإدارة والطلبة.
ولذلك فإن المخرج الحقيقي من مثل هذه الأزمات لا يكمن فقط في القرارات التأديبية أو البيانات الحقوقية، بل في إعادة بناء الثقة داخل الجامعة. ثقة بين الإدارة والطلبة، وبين الأساتذة والحركة الطلابية، تقوم على احترام القانون، وصون حرية التعبير، وحماية الحق الجماعي في التعلم.
فالجامعة المغربية اليوم أمام تحدي الحفاظ على رسالتها العلمية والتربوية في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية المتسارعة. وأول شرط لتحقيق ذلك هو أن تبقى الجامعة فضاءً للعلم والاختلاف المسؤول، لا مسرحاً للتوتر والعنف.
فحين يتحول الصراع داخل الجامعة إلى معركة كسر عظام، يخسر الجميع.الطلبة يخسرون مستقبلهم، والأساتذة يفقدون شروط العمل الأكاديمي الهادئ،والجامعة تفقد صورتها كقلعة للعلم والمعرفة.
عقوبة الطرد غير قانونية
غير أن عقوبة الطرد النهائي من الجامعة تظل من أكثر العقوبات إثارة للنقاش، لأنها في جوهرها غير قانونية و لا يمكن أن تكون عقوبة تربوية بقدر ما قد تتحول إلى قرار قاسٍ يقطع المسار العلمي للشباب. فالجامعة في الأصل ليست فضاءً للعقاب بقدر ما هي حضن للتربية والتعليم والتكوين. ثم إن دستور البلاد يكفل الحق في التعليم لكل المغاربة دون استثناء، والدليل أن حتى المدانين بأحكام قضائية داخل المؤسسات السجنية يظلون يحتفظون بحقهم في متابعة دراستهم واجتياز الامتحانات. لذلك فإن اللجوء إلى الطرد النهائي يطرح سؤال العدالة التربوية: هل نعالج الخطأ بإقصاء صاحبه أم بمحاولة إصلاحه؟ فالسلوك المنحرف لا يولد فجأة، بل يبدأ صغيراً مثل بذرة الشغب، ينمو ويتغذى في غياب التأطير والتوجيه والحوار، وأحياناً في ظل أجواء جامعية يطبعها الإحباط أو الشعور بعدم الإنصاف. والشباب حين يلج أبواب الجامعة يدخلها أساساً طلباً للعلم والمعرفة وبناء المستقبل، لكن حين تغيب البيئة التربوية الحاضنة قد يجد نفسه يتعلم أشياء أخرى لا علاقة لها بالعلم، بل قد تضر بعقله وصحته وتبعده عن الطريق المستقيم. لذلك فإن معالجة مثل هذه الأزمات لا ينبغي أن تقوم فقط على منطق العقاب، بل على منطق التربية والإصلاح وإعادة الإدماج داخل الفضاء الجامعي.