في المغرب، ليست "الهمزة" مجرّد كلمة دارجة تعني صفقة مربحة أو فرصة لا تعوّض، بل أصبحت فلسفة حياة، ديانة غير معلنة يؤمن بها رجال الأعمال والمسؤولون أكثر من إيمانهم بالقوانين والدساتير. الهمزة عندهم ليست مجرد رزق ساقه الله، بل هي مثل طريدة في غابة، لا بد أن تُصطاد قبل أن يسبقك إليها منافس آخر.

الطريف أن "الهمزة" في المخيال الشعبي كانت تعني الفرحة البسيطة. واحد يلقى سروال رخيص في السوق، أو واحد يلقى تلفازة بنصف الثمن. لكن عند من يملكون القرار، الهمزة تعني: مشروع عمومي يُباع في مزاد غير معلن، صفقة طريق تُشق بميزانية مضاعفة عشر مرات، أو مؤسسة تُفلس عمدًا لتُشترى بدرهم رمزي.

الفلسفة هنا بسيطة وساخرة: الشعب نفسه تحوّل إلى "همزة". راتبه همزة، صحته همزة، مدرسته همزة، حتى ماء الشرب صار عند البعض همزة للإستثمار في العطش. الوطن نفسه، بحجاره وتاريخه وأحلام شبابه، صار سوقاً مفتوحاً للهميزات.

والمفارقة الكبرى أنّ هؤلاء الذين يقتاتون على الهميزات يقدَّمون في الإعلام كرجال أعمال ناجحين، وكأن النجاح يقاس بعدد الصفقات المريبة لا بعدد العقول المبدعة. بينما الحقيقة الباردة تقول: لو توقفت الهميزات في المغرب يوماً، سيتعرّى الكثيرون، وتُكشف حساباتهم مثل طفل ضبط وهو يغشّ في قسم فارغ.
الهمزة ليست فقط تجارة، إنها مرآة تفـ.ـضح علاقة السلطة بالمال، والمال بالشعب. في النهاية، من لم يجد همزة في هذا البلد، قد يجد نفسه هو الهمزة.