كلما عدتُ بذاكرتي إلى طفولتي، أجدني أعود إلى المكان نفسه.. إلى حي الأميرة لالة عائشة ببني ملال؛ ذلك الحي الشعبي الذي لم يكن مجرد عنوان للسكن، بل كان مدرسةً للحياة، وذاكرةً لا تزال أزقته تحفظ تفاصيلها. عشتُ طفولتي بين أزقة ضيقة، بين دور الصفيح وبيوتٍ بُنيت بالإمكانات البسيطة، لكن ما كان ينقص الحي من البنية والتجهيز، كانت تعوّضه قلوب الناس. كان الجار يعرف جاره، والفرح كان جماعيًا، والحزن كان يجد من يواسيه. كانت الأبواب مفتوحة، وكانت كلمة "الجيران" تعني أكثر من مجرد علاقة سكن.
ومن تلك الأزقة خرجت حكايات كثيرة.. خرج منها أساتذة وأطباء وجنرالات وموظفون وناس شرفاء، كما خرج منها أيضًا من إختاروا طريق الجريمة وتجارة المخدرات. فالحي لم يكن يومًا مصنعًا للخير أو الشر؛ كان مجرد مرآة للمجتمع، فيه من قاوم ظروفه وصنع مستقبله، وفيه من سقط في طريق آخر. لكن أجمل ما في حي لالة عائشة لم يكن جدرانه ولا أزقته… بل كان الإنسان. واليوم، حين أنظر إلى الحي، أشعر أن شيئًا ما تغير. تغيرت أشياء كثيرة، لكن الإحساس بالتهميش ما زال حاضرًا. وقد سبق أن وثقت تقارير صحفية شكاوى سكان من مشاكل البنية التحتية والإنارة والطرق، فيما ما تزال للحي اليوم مؤسسات ومرافق إجتماعية قائمة.
والمؤلم أكثر أن بعض المنتخبين لا يتذكرون هذا الحي إلا عندما تقترب صناديق الإقتراع. حينها تتحول الأزقة إلى مسار للوعود، وتتحول معاناة الناس إلى أرقام في دفاتر الحملات الإنتخابية.
لكن أين هؤلاء المنتخبون بعد إنتهاء الإنتخابات؟
أينهم حين تحتاج الأسر إلى من يسمعها؟ أينهم حين يحاصر الفقر أبناء الحي؟
أينهم حين يبحث الشاب عن فرصة تحفظ له كرامته؟
وأينهم حين تحتاج الأحياء الشعبية إلى تنمية حقيقية لا إلى زيارة إنتخابية عابرة؟
أنا لا أكتب هذا الكلام لأجل جلد الماضي، ولا لأقول إن الحي لم يتغير. أكتبه لأنني واحد من أبناء هذا المكان، ولأن من عاش في حي شعبي يعرف أن وراء كل زنقة قصة، ووراء كل باب أسرة، ووراء كل وجه حلمًا مؤجلًا. لقد كبرتُ.. لكنني لم أنسَ.
لم أنسَ أصوات الأطفال، ولا وجوه الجيران، ولا تلك الأيام التي كان فيها التضامن أقوى من الفقر، وكانت الأخوة أقوى من ضيق الحال. حي الأميرة لالة عائشة ليس مجرد حي شعبي.. إنه جزء من ذاكرة بني ملال. ومن حق أبنائه أن يُنظر إليهم كمواطنين طوال السنة، لا كأصوات تُستدعى كل خمس سنوات.
فالمواطن ليس صندوق إقتراع.. المواطن إنسان، وكرامته لا تنتهي بإنتهاء يوم الإنتخابات.