لم يكن استحضار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية لسبتة وعلمائها، خلال إحياء ليلة المولد النبوي الشريف بين يدي جلالة الملك محمد السادس، مجرد استطراد في سياق حديث ديني أو إحالة عابرة على التاريخ. فالمقام ملكي، والكلمات في حضرة أمير المؤمنين تُنتقى بعناية، والإشارات الصادرة في مثل هذه المناسبات تحمل، في كثير من الأحيان، دلالات تتجاوز ظاهرها المباشر.
وتكتسب سبتة في هذا السياق خصوصية تاريخية وعلمية لافتة، بالنظر إلى ارتباطها المبكر بتاريخ الاحتفال المنظم بالمولد النبوي في بلاد المغرب. فقد ارتبط اسم العالم السبتي أبي العباس العزفي بالدعوة إلى إحياء هذه المناسبة، قبل أن يتولى ابنه أبو القاسم العزفي تنظيم الاحتفال بها سنة 648هـ، لتنتقل هذه الممارسة لاحقا إلى مختلف أرجاء البلاد المغربية.
وهذه المكانة ليست مجرد رواية تاريخية متداولة، بل حظيت باهتمام علمي وتوثيقي في منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، التي اهتمت بإبراز إسهامات علماء سبتة في خدمة العلوم الشرعية والمذهب المالكي والتقاليد الدينية المغربية.
غير أن استحضار هذا الإرث في مقام ملكي رسمي يمنح المناسبة بعدا رمزيا إضافيا . فسبتة لم تُستحضر باعتبارها مجرد رقعة جغرافية، وإنما باعتبارها فضاءا دينيا وعلميا وثقافيا ارتبط تاريخيا بالحضارة المغربية، وأسهم علماؤه في ترسيخ ملامح التدين السني المالكي الذي ظل أحد مكونات الهوية الدينية للمملكة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الإشارة إلى سبتة أقرب إلى استحضار ذاكرة حضارية متصلة منها إلى حديث عن الجغرافيا وحدها. فالمدن لا تُختزل في حدودها السياسية الراهنة، كما أن التحولات التاريخية لا تلغي بالضرورة ما راكمته من روابط علمية وثقافية وروحية. ومن هنا يكتسب حضور علماء سبتة في الذاكرة الدينية المغربية دلالة خاصة، باعتباره امتدادا لتراث ظل حاضرا في الوعي المؤسساتي والثقافي للمملكة.
كما أن صدور هذه الإشارة عن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وليس عن مسؤول دبلوماسي، يجعل قراءتها أقرب إلى المجال الرمزي والثقافي والديني منها إلى إعلان موقف سياسي أو دبلوماسي جديد بشأن ملف سبتة ومليلية. ولذلك لا ينبغي تحميلها ما لا تحتمل من الناحية القانونية أو السياسية، لكنها في المقابل تكشف بوضوح أن المدينة لا تزال حاضرة في الذاكرة المؤسساتية المغربية من بوابة تاريخها وعلمائها وتراثها الروحي.
أما وقوع هذا الاستحضار في حضرة جلالة الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين، فيمنحه حمولة رمزية أكبر، ويجعل الحديث عن سبتة متصلا بذاكرة دينية وعلمية متجذرة في تاريخ المغرب.
وفي هذا المعنى، يمكن قراءة الرسالة في اتجاهين داخليا ، للتذكير بأن سبتة ليست مجرد ملف جغرافي عابر، وإنما جزء من ذاكرة تاريخية وثقافية حية؛ وخارجيا ، للتأكيد بأن هدوء الخطاب المغربي لا يعني غياب الذاكرة أو التخلي عن الحقوق التاريخية.
إنها، باختصار، لغة مختلفة في التعاطي مع قضية سبتة؛ لغة تستند إلى التاريخ والثقافة والرمزية، بعيدا عن التصعيد السياسي المباشر، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن المدينة، وإن كانت اليوم خارج الإدارة المغربية، لم تغادر الذاكرة التاريخية والحضارية للمغرب.