ليست كل التواريخ سواسية في سجل الأمم، فمنها ما يمر عابرا، ومنها ما ينقش في الذاكرة كتحول مصيري، وكان الحادي والثلاثون من أكتوبر واحدا من تلك المحطات الخالدة التي ستظل علامة فارقة في تاريخ المغرب المعاصر. فبقرار ملكي سام يحمل من الحكمة بقدر ما يحمل من الرمزية، أقر صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده هذا اليوم عيدا للوحدة، عيدا لكل المغاربة من طنجة إلى الكويرة، تتويجا لمسار من الكفاح المرير والنضال الدبلوماسي الطويل ورؤية ملكية متبصرة لم تخطئ يوما بوصلتها.

إن هذا القرار التاريخي لم يكن مجرد احتفاء بانتصار، بل كان إعلانا سياديا عن طي صفحة من المناورات وبداية عهد جديد، عهد ترسخت فيه حقيقة واحدة لا تقبل التأويل، وهي أن الصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فحين تسلم جلالته أمانة قيادة الوطن، كان ملف وحدتنا الترابية يراوح مكانه في متاهات الأمم المتحدة، ملفا شائكا ومعقدا، لكن العهد الجديد حمل معه منطقا جديدا، منطق الدولة التي تبني ولا تكتفي بالدفاع.

فبرؤية استراتيجية قلبت موازين القوى، انتقل المغرب من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل، وجعل جلالته من الأقاليم الجنوبية نموذجا للتنمية المتكاملة، من خلال تنزيل النموذج التنموي الجديد بغلاف مالي غير مسبوق، وإطلاق أوراش كبرى غيرت وجه الصحراء، كميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع تزنيت - الداخلة وربط الأقاليم الجنوبية بعمقها الإفريقي، ليبعث جلالته برسالة بليغة للعالم، مفادها أن الصحراء المغربية ليست ملف نزاع، بل هي القلب النابض للاقتصاد الوطني وبوابة المغرب نحو عمقه القاري.

ولم يكن هذا التحول التنموي بمعزل عن الانتصار الدبلوماسي الذي حققته المملكة بقيادة جلالته، حيث توالت الاعترافات الدولية الصريحة بمغربية الصحراء من عواصم القرار العالمي، من واشنطن إلى باريس ومدريد وبرلين، لتتوج هذه الدينامية بقرار تاريخي من مجلس الأمن الدولي يكرس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل وحيد جاد وواقعي وذي مصداقية لتسوية هذا النزاع المفتعل، وهو ما يمثل انتصارا ساحقا لمدرسة الدبلوماسية الملكية التي جعلت من الوضوح والطموح والوفاء ثوابت لا تحيد عنها.

إن تخليد 31 أكتوبر كعيد للوحدة هو في جوهره وفاء لروح المسيرة الخضراء المظفرة ولمبدعها جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، وتقدير لتضحيات جنودنا البواسل المرابطين في الصحراء من قوات مسلحة ملكية ودرك ملكي وقوات مساعدة، كما أنه عهد متجدد يصل الماضي بالحاضر ويؤكد للأجيال القادمة أن المغرب الذي حرره محمد الخامس، ووحده الحسن الثاني، وحصنه وطوره وأعاد له إشعاعه محمد السادس، سيظل عصيا على كل المؤامرات، شامخا بملكه ومتماسكا بشعبه.

واليوم، ونحن نعيش على وقع الاحتفال بالذكرى الأولى لهذا العيد الوطني المجيد، نستحضر بكل فخر تلك اللحظات التي اهتزت لها شوارع المملكة، حين خرج الشعب المغربي عن بكرة أبيه حاملا الراية الوطنية، مرددا بصوت واحد شعارنا الخالد الله الوطن الملك، ليعلن للعالم أجمع أن الوحدة الترابية ليست شعارا عابرا يرفع في المناسبات، بل هي عقيدة راسخة وإيمان لا يتزعزع في وجدان كل مغربي ومغربية.

حفظ الله مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس ذخرا وملاذا لهذه الأمة، وأدام عزه ونصره، وأقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وصاحبة السمو الملكي الأميرة للا خديجة، وشد أزره بصنوه السعيد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد وبسائر أفراد الأسرة الملكية العلوية الشريفة، وأدام على وطننا نعمة الأمن والوحدة والاستقرار والازدهار، إنه سميع مجيب.