خلال السنوات الأخيرة، اتجه المغرب بشكل متدرج نحو إعادة صياغة حضوره داخل المنظومة الأمنية الدولية، في مَناخ دولي يتسم بتصاعد التحديات المرتبطة بالإرهاب العابر للحدود، وتنامي شبكات الاتجار الدولي بالمخدرات والأسلحة، وتوسع الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والتهديدات السيبرانية، حيث بدأ البعد الأمني يكتسب موقعا متقدما داخل السياسة الخارجية للمملكة، ليس فقط باعتباره أداة لحماية الحدود أو تدبير المخاطر الداخلية، وإنما أيضا كآلية لإعادة التموضع داخل شبكات التعاون الدولي والإقليمي.
وقد ارتبط هذا التحول بشكل مباشر بالموقع الجغرافي للمغرب، باعتباره نقطة تقاطع بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وهي معطيات جعلت المملكة معنية بشكل مباشر بمختلف التحولات المرتبطة بالممرات البحرية والجوية الدولية، إذ يوجد المغرب ضمن أحد أهم المحاور التي تعبرها شبكات الهجرة غير النظامية وتهريب المخدرات القادمة من أمريكا اللاتينية نحو أوروبا، كما يشكل امتدادا جغرافيا مرتبطا بالتحديات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء وغرب إفريقيا.
وفي هذا السياق، لم يعد التعاون الأمني المغربي يقتصر على تبادل المعلومات أو التنسيق الظرفي المرتبط بعمليات محددة، بل اتجه تدريجيا نحو بناء شبكة شراكات متعددة المستويات تشمل الاستخبارات والتكوين والتكنولوجيا الأمنية والتنسيق العملياتي والمشاركة في المنتديات الدولية المتخصصة، كما توسعت دائرة هذا التعاون لتشمل الولايات المتحدة الأمريكية وعددا من الدول الأوروبية والخليجية، إلى جانب الانخراط المتزايد داخل آليات التنسيق الدولي المرتبطة بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وخلال السنوات الماضية، برزت تحركات المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي باعتبارها أحد أبرز تعبيرات هذا المسار، سواء من خلال الحضور المغربي داخل المنظمات الأمنية الدولية، أو عبر سلسلة اللقاءات الثنائية ومتعددة الأطراف التي شملت عددا من العواصم الدولية.
ففي يونيو من سنة 2022، قاد حموشي زيارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية أجرى خلالها لقاءات مع مسؤولي وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ووكالة التحقيقات الفيدرالية، تمحورت حول ملفات الأمن الإقليمي والتنسيق المرتبط بمكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل والصحراء، وهي الزيارة التي أتت آذناك في سياق اتسم بتزايد الاهتمام الدولي بالتحولات الأمنية في الساحل الإفريقي، خصوصا مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وشبكات الاتجار بالسلاح والهجرة غير النظامية، وهو ما جعل التنسيق الاستخباراتي المرتبط بالمنطقة يحظى بأولوية متزايدة لدى عدد من العواصم الغربية.
وبعد أسابيع قليلة من هذه الزيارة، انتقل حموشي إلى قطر في ماي من السنة ذاتها 2022، في إطار التحضيرات الأمنية الخاصة بتنظيم كأس العالم، حيث شملت الزيارة جولات داخل المنشآت الرياضية ومراكز القيادة العملياتية المكلفة بتأمين التظاهرة العالمية، إذ لم تكن هذه المحطة منفصلة عن التحولات التي بدأت تعرفها المقاربة الأمنية المغربية في ما يتعلق بأمن التظاهرات الكبرى، خاصة مع اقتراب الاستعدادات المشتركة لتنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وما يرافق ذلك من رهانات مرتبطة بتدبير الحشود وتأمين البنيات التحتية والتنسيق الاستخباراتي المرتبط بحركة الجماهير والتنقلات العابرة للحدود.
هذا المسار تعزز بشكل أوضح خلال سنة 2024، التي شهدت توسيعا للتنسيق المغربي مع عدد من الأجهزة الأمنية الأوروبية، حيث أجرى حموشي مباحثات بألمانيا مع مسؤولي الشرطة الفيدرالية والمكتب الفيدرالي للجريمة، تمحورت حول الجوانب الأمنية المرتبطة بتأمين بطولة "يورو 2024"، خصوصا ما يتعلق بمواجهة التهديدات الإرهابية المحتملة وتبادل الخبرات المرتبطة بالتدبير الأمني للتظاهرات الرياضية الكبرى.
وبعد أشهر قليلة، وتحديدا خلال نونبر من سنة 2024، ترأس المغرب وفده المشارك في الدورة الثانية والتسعين للجمعية العامة لمنظمة الشرطة الجنائية الدولية "الأنتربول" بمدينة غلاسكو البريطانية، في محطة عكست الحضور المتزايد للمملكة داخل فضاءات التنسيق الأمني الدولي.
ومع انتقال العالم تدريجيا إلى مرحلة التحضير لاحتضان كأس العالم 2030، بدأت التحركات الأمنية المغربية تأخذ بعدا أكثر ارتباطا بملفات الأمن الرياضي والتنسيق الدولي المرتبط بالتظاهرات الكبرى، حيث شارك المغرب في يناير سنة 2025، في اجتماع أمني ثلاثي بالعاصمة الإسبانية مدريد جمع مسؤولين أمنيين مغاربة وإسبان وألمان، وتمحور حول الجوانب المرتبطة بتأمين مونديال 2030، وهو الاجتماع الذي كشف مبكرا حجم الرهانات المرتقبةو المرتبطة بالتنسيق الأمني بين الدول الثلاث، خاصة في ظل تعقيدات التدفقات البشرية وحركة الجماهير والبنيات التحتية العابرة للحدود.
وفي نونبر من السنة نفسها، احتضنت مدينة مراكش أشغال الدورة الثالثة والتسعين للجمعية العامة لمنظمة "الأنتربول"، وهي محطة وضعت المغرب في قلب النقاشات الدولية المرتبطة بالأمن العابر للحدود، كما عكست الثقة المتزايدة في البنيات الأمنية والتنظيمية للمملكة، إذ شكلت هذه الدورة مناسبة لمناقشة ملفات مرتبطة بالإرهاب الدولي والجرائم السيبرانية والاتجار بالبشر والمخدرات، إضافة إلى التحديات التي تفرضها التحولات التكنولوجية واستعمال الذكاء الاصطناعي داخل بعض الشبكات الإجرامية.
وخلال السنة الجارية 2026، اتخذت هذه الدينامية بعدا أكثر كثافة من خلال سلسلة تحركات أمنية خارجية شملت السعودية والسويد والنمسا وتركيا، في سياق يعكس اتساع شبكة الشراكات التي ينسجها المغرب داخل المجالين الأمني والاستخباراتي.
ففي فبراير 2026، شارك حموشي في معرض الدفاع العالمي بالرياض بدعوة رسمية من رئيس أمن الدولة السعودي، حيث شكلت الزيارة مناسبة للاطلاع على أحدث التطورات المرتبطة بالصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الأمنية وأنظمة المراقبة الذكية. كما أتاحت اللقاءات التي عقدها الوفد المغربي بحث سبل تعزيز التعاون الأمني والتقني بين الرباط والرياض، خاصة في المجالات المرتبطة بالأمن التكنولوجي وتحليل البيانات والأنظمة المرتبطة بالمراقبة والرصد.
هذا الاهتمام المتزايد بالتكنولوجيا الأمنية ينسجم مع التحولات التي يشهدها عالم الأمن والاستخبارات، حيث أصبحت الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي وتحليل المعطيات الضخمة جزءا أساسيا من تدبير المخاطر الأمنية ومراقبة الشبكات العابرة للحدود، سواء تعلق الأمر بالإرهاب أو الجريمة المنظمة أو الاتجار الدولي بالمخدرات.
وفي أبريل من السنة نفسها، اتجهت البوصلة الأمنية المغربية نحو شمال أوروبا، عبر زيارة عمل إلى السويد أسفرت عن توقيع مذكرة تفاهم للتعاون الأمني تشمل تبادل المعلومات والتنسيق في ملفات الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والجريمة السيبرانية، كما حملت الزيارة مؤشرا لافتا تمثل في اقتراح انضمام المغرب إلى "الشبكة الأوروبية للبحث عن الأشخاص المبحوث عنهم"، وهو ما يعكس طبيعة التحولات التي يعرفها التعاون المغربي الأوروبي في المجال الأمني، خصوصا في ظل تنامي الاعتماد الأوروبي على المعطيات المرتبطة بالمجال المتوسطي ومنطقة الساحل.
ويأتي هذا الانفتاح الأوروبي على التجربة المغربية في سياق الدور الذي بات يؤديه المغرب داخل الممرات البحرية والجوية الرابطة بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، فالمغرب يوجد ضمن أحد أهم المحاور التي تستغلها شبكات تهريب الكوكايين القادمة من أمريكا الجنوبية نحو أوروبا، سواء عبر غرب إفريقيا أو عبر السواحل الأطلسية، وهو ما جعل التعاون الاستخباراتي مع الأجهزة الأوروبية والأمريكية يأخذ أبعادا متزايدة خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار، ارتبطت عدة عمليات لحجز شحنات من الكوكايين أو تفكيك شبكات تهريب بمعطيات استخباراتية وفرتها المصالح المغربية، خاصة في ما يتعلق بالرصد البحري وتتبع التحركات المشبوهة داخل المحيط الأطلسي، كما أصبحت البنيات المينائية المغربية، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، جزءا من منظومة المراقبة المرتبطة بالحركة التجارية الدولية وتدفقات الحاويات العابرة للقارات.
ويمتد هذا الدور كذلك إلى المجال الجوي، حيث تحول مطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء إلى منصة عبور رئيسية تربط أوروبا بإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما جعل المطار ضمن النقاط الحساسة المرتبطة بالمراقبة الأمنية، خصوصا في ظل استغلال بعض المسارات الجوية من قبل شبكات تهريب المخدرات عبر ناقلي الكبسولات.
وخلال ماي 2026، شارك المغرب بفيينا في الاجتماع الجهوي الثالث والعشرين للأجهزة الاستخباراتية والمؤسسات الأمنية المنظم تحت إشراف الأمم المتحدة، إلى جانب وفود تمثل عددا من الدول العربية والآسيوية والأوروبية، إذ شكل الاجتماع مناسبة لبحث ملفات الإرهاب والتطرف والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة وتبييض الأموال، كما أجرى الوفد المغربي سلسلة لقاءات ثنائية مع مسؤولي الأمن والاستخبارات بعدد من الدول المشاركة.
وبعد انتهاء محطة فيينا مباشرة، واصل حموشي تحركاته بزيارة إلى تركيا للمشاركة في معرض "SAHA 2026" للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء بمدينة إسطنبول، حيث جرى بحث التعاون الأمني والتكنولوجي مع مسؤولي الأمن والصناعات الدفاعية التركية، خاصة في المجالات المرتبطة بالتجهيزات الذكية وأنظمة المراقبة والتكنولوجيا الأمنية الحديثة.