زيدي جواد
​في حضرة الطريقة القادرية البودشيشية، تلوح في الأفق قامة شامخة لم تزدها السنون إلا رسوخاً، ولم تزدها العواصف إلا لمعاناً؛ إنها قامة الشريف سيدي عبد السلام اشماعو الفهري. رجلٌ صاغ من حياته ملحمةً في "الاستقامة"، وخطَّ بمداد القلب فصلاً من فصول العشق الإلهي الذي لا يعرف الأفول.
​حين كانت المسارات تفترق، والخيارات تتمايز، وقف سيدي عبد السلام وقفة الطود العظيم. رفيق الدرب الأستاذ عبد السلام ياسين اختار شطراً، لكن سيدي عبد السلام أبى إلا أن يظل في كنف "الدوحة البودشيشية"، متمسكاً بجدائل النور في يد العارف بالله سيدي الحاج حمزة (قدس الله سره). لم يكن ثباته مجرد بقاء، بل كان "شهوداً" ويقيناً بأن سرَّ التربية ولبَّ التزكية هما في ملازمة عتبات الشيوخ، حيث السكينة التي لا تضاهيها غاية.
​لقد اتخذ من "مداغ" وطناً لروحه، يشد إليها الرحال بقلبٍ يسبق الخطى. هناك، بين ظلال مجالس الذكر وأروقة الفكر، كان يتقلب في نعم الله، مؤطراً للمريدين بلسان حاله قبل مقاله، فكان جسراً يعبر عليه السالكون نحو محبة الله ورسوله بإذن شيوخه الكرام، بعيداً عن صخب الانشقاق أو غبار المنقلبين.
​الحافلة العائلية.. موكب العشق النبوي
​وفي تجلٍّ باذخ للوفاء، لم يشأ أن يكون وصلاً منفرداً، بل جعل من بيته محراباً للطريقة. فكانت حافلته العائلية التي تقله مع أبنائه في كل "مولد نبوي" بمثابة سفينة حب تمخر عباب الشوق نحو حضرة النبي ﷺ بمداغ.
رحلةٌ لم تكن لنيل البركة
فحسب، بل كانت غرساً مقدساً في قلوب الأبناء، ليكونوا فروعاً زكية لأصلٍ ثابت في محبة آل البيت وشيوخ التربية.
​الشهادة المفحمة ودمغة الحق
​لقد سجل التاريخ لسيدي عبد السلام شهادات كانت كالقواطع الحادة، أفحمت من أرادوا ليَّ الحقائق أو النيل من قدسية العهد مع وارث السر الدكتور مولاي منير القادري بودشيش حفظه الله. كانت كلماته "فصل خطاب" في وجه كل من سولت له نفسه التنكر لفضل الشيوخ، مجدداً البيعة تلو البيعة، والوفاء تلو الوفاء، بصدقٍ يغني عن البرهان.
إن سيدي عبد السلام اشماعو الفهري، بثباته الراسخ مع أبنائه على عهد شيوخ الطريقة، لم يكتب سيرة ذاتية، بل نقش على جدار الزمان دستوراً للمريد الصادق: أنَّ المحبة عهدٌ، والوفاء وعدٌ، والطريق إلى الله يبدأ وينتهي بصدق الصحبة.
​فسلامٌ عليه يوم عاهد، ويوم ثبت، ويوم أورث هذا المجد لنسله الأطهار.
وبمواراة جثمانه الثرى في رحاب "مذاغ"، اكتملت فصول ملحمة الوفاء، وكأن الروح التي طالما حنت إلى ذلك الحمى أبت إلا أن يكون مستقرها الأخير حيث كان معتكفها الأسمى. إن تنفيذ وصيته بالدفن في كنف الزاوية القادرية البودشيشيةباذن مبارك من شيخها الشرعي مولاي منير ليس مجرد إجراء جنائزي، بل هو "توقيعٌ أبدي" على عقد المحبة الذي لم ينفصم قط.
رحم الله سيدي عبد السلام اشماعو الفهري، وجزاه عن صدق عهده خير الجزاء، وجعل في عقبه وذريته البركة والوفاء على ذات النهج القادري البودشيشي الأصيل.