لم تعد سباقات الماراثون مجرد منافسات رياضية تختبر قدرة العدائين على التحمل وتجاوز المسافات الطويلة، بل تحولت إلى تظاهرات اقتصادية وتسويقية تستقطب الرعاة والشركات والمؤسسات، وتفتح المجال أمام أسئلة مشروعة حول مصادر التمويل، وكلفة التنظيم، وحجم الجوائز المالية، والعائد الذي تحققه هذه التظاهرات للمدينة والقطاع الرياضي.
وبين الصورة الاحتفالية التي ترافق عبور خط النهاية، والأرقام المالية التي تقف خلف تنظيم السباق، يبرز سؤال يستحق النقاش من أين تأتي الأموال التي تمول الماراثون، وكم يصل منها فعليا إلى العدائين، خصوصا أولئك الذين ينافسون على المراكز الأولى؟
مقارنة الأرقام المعلنة لنسخة 2026 من ماراثوني نيويورك والدار البيضاء تكشف عن تفاوت واضح في قيمة الجوائز المالية. ففي الوقت الذي تبلغ فيه جائزة المركز الأول في فئة النخبة بنيويورك 100 ألف دولار للرجال ومثلها للسيدات، لا تتجاوز الجائزة المعلنة للفائز بالمركز الأول في ماراثون الدار البيضاء 20 ألف دولار، وفق لوائح الجوائز المنشورة.
وبذلك تصل جائزة الفوز في نيويورك إلى خمسة أضعاف نظيرتها في الدار البيضاء، وهو فارق يطرح تساؤلات حول حجم الإمكانات المالية التي تعبئها هذه التظاهرات، ومدى تأثير الرعاية والإشهار والانتشار الإعلامي في تحديد قيمة المكافآت المخصصة للعدائين.
غير أن الإنصاف في المقارنة يقتضي التأكيد على أن قيمة الجائزة وحدها لا تكفي للحكم على جودة التنظيم أو حجم الميزانية أو المردودية الاقتصادية، لأن لكل سباق خصوصياته من حيث السوق الرياضية، وحجم الرعاية، وعدد المشاركين، وطبيعة الخدمات والتكاليف المرتبطة بالتنظيم.
في نيويورك، تتدرج الجوائز المالية المعلنة لتشمل المراكز الأولى وصولا إلى المركز العاشر، بينما تتضمن لائحة ماراثون الدار البيضاء بدورها مكافآت للمراكز العشرة الأولى، إلى جانب جوائز إضافية مخصصة للعدائين المغاربة، ومكافآت مرتبطة بتحطيم أرقام محددة، وفق الشروط المعتمدة.
لكن السؤال لا يتعلق فقط بما يحصل عليه الفائزون، بل أيضا بما إذا كانت الجوائز المخصصة للعدائين المحترفين تتناسب مع حجم الجهد المبذول، والمستوى التنافسي المطلوب، والقيمة الرياضية والإعلامية التي يمنحها هؤلاء للحدث.
فالعداء الذي يتصدر السباق لا يقدم مجرد نتيجة رياضية، بل يساهم، إلى جانب بقية المشاركين، في صناعة صورة الماراثون وجاذبيته، واستقطاب اهتمام الجمهور والرعاة ووسائل الإعلام. ومن ثم، فإن الاستثمار في مستوى المنافسة والعدائين المحترفين ينبغي أن يكون جزءا من أي تصور يروم تطوير التظاهرة والارتقاء بمكانتها.
أما على مستوى التمويل، فتستند اقتصاديات الماراثونات عادة إلى مصادر متعددة، في مقدمتها عقود الرعاية، ورسوم التسجيل، والشراكات المؤسساتية والتجارية، فضلا عن الأنشطة والخدمات المصاحبة. وتبرز ضمن شركاء ماراثون الدار البيضاء لسنة 2026 مؤسسة كريدي دو ماروك، التي يحمل الحدث اسمها، إلى جانب شركاء آخرين من القطاعين العام والخاص.
ويعكس هذا الحضور أهمية الشراكات في توفير الموارد اللازمة لتنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، لكنه لا يسمح، في غياب معطيات مالية مفصلة، بتحديد قيمة مساهمة كل شريك أو معرفة الوزن الحقيقي لكل مصدر من مصادر التمويل.
وتتضمن رسوم المشاركة المعلنة في ماراثون الدار البيضاء 300 درهم للماراثون الكامل، و200 درهم لنصف الماراثون، و600 درهم لفريق التتابع المكون من أربعة عدائين. وتشمل الخدمات المعلن عنها عددا من التجهيزات والخدمات المرتبطة بالمشاركة، من بينها قميص السباق والميدالية والتزود بالمياه والتغطية الطبية والتأمين عن المسؤولية المدنية، وفق الشروط المنظمة.
ومع ذلك، فإن معرفة المداخيل الفعلية المتأتية من التسجيل تظل مرتبطة بالعدد النهائي للمشاركين في كل فئة، وعدد التسجيلات المؤدى عنها، والتسجيلات المجانية أو المخفضة إن وجدت. لذلك، لا يمكن تقديم تقديرات دقيقة للمداخيل من دون بيانات موثوقة ومفصلة.
وهنا تبرز نقطة أساسية في النقاش ليس كل ما يدخل إلى حسابات تنظيم الماراثون ربحا صافيا، كما أن قيمة الجوائز لا تمثل سوى بند من بنود الإنفاق. فتأمين المسار، وتدبير حركة السير، والخدمات الطبية، والتوقيت الإلكتروني، والتجهيزات اللوجستية، والموارد البشرية، والتواصل، كلها عناصر تفرض تكاليف قد تكون مهمة، وينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تقييم الأداء المالي للتظاهرة.
لكن الاعتراف بكلفة التنظيم لا يلغي الحق في المطالبة بالشفافية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحدث يستفيد من شراكات مؤسساتية وتجارية، ويرتبط بصورة المدينة وقدرتها على احتضان التظاهرات الرياضية الكبرى.
ومن هذا المنطلق، سيكون من المفيد نشر معطيات مالية واضحة حول الميزانية الإجمالية للماراثون، ومصادر التمويل، وقيمة عقود الرعاية، وحجم المداخيل المتأتية من التسجيل، وتوزيع النفقات، وقيمة الجوائز المخصصة لمختلف الفئات. كما أن تقديم حصيلة اقتصادية واجتماعية للتظاهرة من شأنه أن يعزز الثقة، ويتيح تقييما موضوعيا لنتائجها.
ولا يتعلق الأمر باتهام الجهة المنظمة أو التشكيك في تدبيرها، بل بالدعوة إلى اعتماد مقاربة تقوم على الشفافية والتواصل وتوفير المعلومة، باعتبارها عناصر أساسية لتطوير الرياضة وتعزيز ثقة المشاركين والشركاء والجمهور.
كما أن تقييم نجاح الماراثون لا ينبغي أن يقتصر على عدد المشاركين أو حجم التغطية الإعلامية، بل يتعين أن يشمل جودة التنظيم، ومستوى المنافسة، وظروف مشاركة العدائين، وقيمة الجوائز، والأثر الاقتصادي على المدينة، ومدى استفادة الرياضة الوطنية والعدائين المغاربة من هذه التظاهرة.
وفي المحصلة، فإن الفارق بين جائزة المركز الأول في نيويورك ونظيرتها في الدار البيضاء يفتح بابا مشروعا للنقاش حول اقتصاد الماراثونات، لكنه لا يقدم، بمفرده، صورة كاملة عن حجم الأموال المتداولة أو الأرباح المحققة.
يتبع ...