تعيش ساكنة حي النصر، التابع لنفوذ مقاطعة اسباتة بمدينة الدار البيضاء، على وقع حالة متواصلة من القلق والترقب، في ظل استمرار الغموض الذي يحيط بملف الهدم والترحيل، رغم مرور أكثر من سنة على إخبار السكان، بتاريخ 20 غشت 2025، بالموضوع، دون أن تتضح، وفق المعطيات المتوفرة، الصورة الكاملة بشأن الجدول الزمني لتنفيذ العملية والتدابير الاجتماعية المصاحبة لها.

وخلال الأسبوع الجاري، عاد منسوب القلق إلى الارتفاع بعدما أفاد عدد من السكان بتلقيهم إشعارات شفوية من طرف الشيخ والمقدم، تدعوهم إلى الاستعداد لاحتمال اقتراب موعد الترحيل والهدم. غير أن هذه المعطيات أعادت إلى الواجهة سؤالا جوهريا يتجاوز مجرد تداول الأخبار، ويتعلق بمدى وجود قرار رسمي واضح ومحدد يضبط موعد العملية، ويحدد شروط تنفيذها وكيفية مواكبة الأسر المعنية.

وفي مقابل أسر بدأت بالفعل التفكير في ترتيبات المغادرة، لا يزال سكان آخرون يؤكدون عدم توصلهم بأي إشعار رسمي يحدد موعدا دقيقا للهدم أو الترحيل، الأمر الذي يكرس حالة من التباين في المعلومات ويضع العائلات أمام صعوبة اتخاذ قرارات مصيرية بناء على أخبار شفوية غير كافية لتدبير مرحلة بهذه الحساسية الاجتماعية.

وتزداد حدة الإشكال بالنظر إلى الوضعية الاجتماعية والمادية لعدد من الأسر التي لم تتمكن، إلى حدود الساعة، من العثور على مساكن بديلة. فالانتقال من منزل إلى آخر ليس قرارا إداريا بسيطا، بل عملية تتطلب وقتا وإمكانيات مالية، تشمل أداء واجبات الكراء والتسبيقات والضمانات، فضلا عن تكاليف نقل الأثاث وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الأسري. وهي أعباء قد تتحول إلى ضغط اجتماعي حقيقي بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل التي لا تتوفر على بدائل جاهزة.

ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الغموض لا يقتصر أثره على الجانب النفسي، بل يمتد إلى القدرة على التخطيط للمستقبل واتخاذ التدابير الضرورية في الوقت المناسب. فكيف يمكن مطالبة الأسر بالاستعداد للمغادرة دون تمكينها من معلومة رسمية ودقيقة؟ وكيف يمكن تدبير عملية بهذا الحجم دون ضمان التواصل الواضح مع جميع المعنيين، تفاديا لتضارب الأخبار واختلاف آجال الاستعداد من أسرة إلى أخرى؟

إن المصلحة العامة ومتطلبات إعادة تهيئة المجال الحضري لا ينبغي أن تكونا في تعارض مع الحقوق الاجتماعية والإنسانية للسكان. فمشروعية المشاريع التنموية لا تقاس فقط بأهدافها العمرانية، وإنما كذلك بمدى احترامها لكرامة المواطنين، ومراعاتها لأوضاعهم الاجتماعية، وتوفير الشروط الضرورية لانتقالهم في ظروف تحفظ استقرارهم الأسري.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية الجهات المعنية في تقديم توضيحات رسمية للرأي العام المحلي، ووضع حد لحالة الانتظار التي طال أمدها، من خلال الكشف عن الوضعية الحالية للملف، وتحديد ما إذا كان هناك موعد مقرر للهدم والترحيل، مع توضيح التدابير المعتمدة لمواكبة الأسر التي لم تتمكن بعد من تأمين سكن بديل.

كما أن التواصل الإداري الفعال يقتضي ضمان وصول المعلومات إلى جميع الأسر المعنية بشكل واضح ومتزامن، بدل تركها رهينة الإشاعات والتأويلات والاجتهادات الفردية. فالإخبار المسبق ليس مجرد إجراء شكلي، بل شرط أساسي لتمكين المواطنين من ترتيب أوضاعهم واتخاذ القرارات اللازمة بعيدا عن الارتباك والضغط.

ولا يتعلق الأمر هنا برفض مشاريع التهيئة أو الاعتراض على المصلحة العامة، بقدر ما يتعلق بالمطالبة بتدبير مسؤول ومنصف لملف اجتماعي يمس حق الأسر في الاستقرار والسكن اللائق. فالساكنة لا تطالب بامتيازات استثنائية، وإنما بحقها في معرفة مصيرها، والاطلاع على القرارات التي تهم مستقبلها، والحصول على مهلة معقولة تسمح لها بتدبير انتقالها دون أن تجد نفسها أمام أمر واقع.

إن مرور أكثر من سنة على بداية هذا الانتظار يجعل الحاجة إلى الوضوح أكثر إلحاحا، ويضع الجهات المعنية أمام ضرورة الانتقال من تداول الأخبار الشفوية إلى التواصل الرسمي المسؤول. فالغموض، حين يتعلق بمصير السكن والاستقرار الأسري، لا يمكن اعتباره تفصيلا إداريا عابرا، بل وضعا يستدعي المعالجة العاجلة والحكيمة.

اليوم، تجد ساكنة حي النصر نفسها أمام أسئلة واضحة تنتظر أجوبة واضحة ، هل صدر قرار رسمي يحدد موعد الهدم والترحيل؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الآجال المحددة؟ وما التدابير المتخذة لفائدة الأسر التي لم تعثر بعد على مساكن بديلة؟ وكيف ستتم مواكبة الفئات التي تواجه صعوبات مادية واجتماعية في تدبير عملية الانتقال؟

إن كرامة المواطنين تقتضي ألا يظل مصيرهم معلقا بين الخبر والانتظار، وألا تتحول المخاوف المرتبطة بالسكن إلى مصدر دائم للقلق وعدم الاستقرار. فالتنمية الحضرية الحقيقية لا تبدأ بالهدم وحده، بل بالتخطيط الواضح والتواصل المسؤول والإنصاف الاجتماعي.

حي النصر لا يطلب المستحيل، بل يطالب بحقه في المعلومة الرسمية، وبتحديد الآجال، وضمان شروط انتقال تحفظ كرامة الأسر واستقرارها. وبعد أكثر من عام من الانتظار، لم يعد السؤال مقتصرا على متى سيتم الهدم والترحيل، بل أصبح أيضا أين ستذهب الأسر، وما الضمانات المتاحة حتى لا تجد نفسها أمام أزمة سكن جديدة؟