سعد الفطواكي
إلى متى ستظل السلطة المحلية تتحمل عبء إشكالية تتطلب حلولاً من المجلس الجماعي؟
أصبحت ظاهرة انتشار الباعة الجائلين بالشوارع والأزقة والساحات العمومية من أبرز الإشكاليات التي تؤرق المواطنين والسلطات المحلية على حد سواء، خصوصاً مع تزايد احتلال الأرصفة والطرقات، وعرقلة حركة السير والجولان، والتضييق على الراجلين، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول مسؤولية الجهات المعنية في إيجاد حلول جذرية لهذه الظاهرة.
والمثير للاستغراب أن أصابع الاتهام غالباً ما تتجه نحو السلطة المحلية، ممثلة في شخص القائد وأعوان السلطة، وكأنهم المسؤولون الوحيدون عن انتشار الباعة الجائلين، في حين أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تدخلاً مؤسساتياً متكاملاً، يأتي في مقدمته دور المجلس الجماعي، برئاسة رئيس الجماعة، في توفير فضاءات تجارية منظمة تستوعب هؤلاء الباعة.
فهل يعقل أن يُطلب من القائد وأعوان السلطة تحرير الشوارع والأزقة، في الوقت الذي لا تتوفر فيه أماكن بديلة ومناسبة لاستقبال الباعة الجائلين؟
وهل من الإنصاف أن يتحمل أعوان السلطة يومياً مشقة التدخلات الميدانية والاحتكاك المباشر مع الباعة والمواطنين، بينما تظل الحلول الدائمة غائبة أو غير كافية؟
إن دور السلطة المحلية لا ينبغي أن يتحول إلى مطاردة يومية للباعة الجائلين، وإنما يتمثل في السهر على احترام القانون والحفاظ على النظام العام وتنظيم الفضاء العمومي، في حدود الاختصاصات القانونية المخولة لها.
أما المجلس الجماعي، وعلى رأسه رئيس الجماعة، فهو مطالب بتحمل مسؤولياته في إطار اختصاصاته المتعلقة بتنظيم الأسواق والأنشطة التجارية واستغلال الملك العمومي، بتنسيق مع الشرطة الإدارية الجماعية وباقي المصالح المختصة.
فالمطلوب ليس إصدار التعليمات بإخلاء الشوارع فقط، بل العمل أولاً على توفير أسواق وفضاءات مناسبة ومجهزة، تسمح للباعة الجائلين بممارسة أنشطتهم التجارية في ظروف تحفظ كرامتهم وتضمن استمرار مصدر رزقهم.
ومن غير المقبول أن تظل السلطة المحلية في مواجهة مباشرة مع الباعة الجائلين، دون أن تواكب تدخلاتها حلول عملية من طرف المؤسسات المنتخبة.
وفي المقابل، لا يمكن بأي حال من الأحوال تبرير احتلال الطرقات والأرصفة وتعطيل حركة السير والجولان، لأن الشارع ملك عمومي مخصص لاستعمال الجميع، وليس من حق أي طرف الاستحواذ عليه بشكل يضر بمصالح الآخرين.
فالطرقات يجب أن تبقى مفتوحة أمام السيارات ومركبات الإسعاف والوقاية المدنية، والأرصفة يجب أن تظل متاحة للراجلين، خصوصاً الأطفال والمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة.
إن تنظيم الباعة الجائلين لا يعني محاربتهم أو حرمانهم من لقمة العيش، بل يعني توفير فضاءات قانونية لممارسة تجارتهم، ثم تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
وهنا يبرز الدور الحقيقي للتنسيق بين المجلس الجماعي والسلطة المحلية، بحيث تتحمل الجماعة مسؤوليتها في البحث عن الحلول وتوفير الفضاءات المناسبة وفق اختصاصاتها وإمكاناتها، فيما تسهر السلطة المحلية، بتنسيق مع الجهات المعنية، على ضمان احترام النظام العام وتنفيذ الإجراءات القانونية اللازمة.
كما ينبغي الاعتراف بالمجهودات اليومية التي يبذلها القواد وأعوان السلطة في الميدان، وما يرافق تدخلاتهم من صعوبات وضغوط واحتكاكات، في محاولة للموازنة بين احترام القانون ومراعاة الأوضاع الاجتماعية للمواطنين.
فليس من العدل تحميل القائد وأعوان السلطة وحدهم مسؤولية الفوضى التي تعرفها بعض الشوارع والأزقة، بينما الحلول التنظيمية المستدامة تتطلب انخراط المجلس الجماعي وباقي المتدخلين.
إن المواطن لا يريد رؤية الباعة الجائلين يتعرضون للمطاردة، كما لا يريد أن يجد نفسه عاجزاً عن المرور في شارع أو رصيف بسبب انتشار العربات والسلع.
المواطن يريد شوارع مفتوحة، وأرصفة آمنة، وأسواقاً منظمة، وباعة يمارسون تجارتهم بكرامة، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها دون تبادل الاتهامات.
وختاماً
إن معالجة ظاهرة الباعة الجائلين لا يمكن أن تنجح بالتدخلات الأمنية والتنظيمية وحدها، بل تبدأ بإرادة حقيقية من المجلس الجماعي لإيجاد حلول ملموسة ومستدامة.
فرئيس الجماعة والمجلس الجماعي مطالبان بالقيام بدورهما في توفير الفضاءات التجارية المنظمة، والسلطة المحلية مطالبة بالسهر على احترام القانون والنظام العام، كل في حدود اختصاصاته.
كفى من تحميل القائد وأعوان السلطة وحدهم عبء ظاهرة تتطلب حلولاً مؤسساتية، وكفى من جعل الشوارع والأزقة ساحات للاحتكاك اليومي بين الباعة والسلطات.
فالمطلوب ليس قطع الأرزاق، وإنما تنظيمها، وليس منع التجارة، وإنما وضعها في مكانها المناسب، وليس إغلاق الشوارع، وإنما فتحها أمام المواطنين وضمان سلامتهم.
إن المسؤولية تبدأ بتوفير الحلول، وليس بالاكتفاء بمطالبة السلطة المحلية بالتدخل.