لعويسي عبد الرحيم .

في ظل التطورات السياسية والاقتصادية في المنطقة المغاربية، يبرز المغرب كقوة أمنية إقليمية مهمة، بينما تواجه الجزائر صراعات سياسية داخلية وانفلاتا حدوديا، وتحاول تونس التعامل مع هشاشة مؤسساتية بعد سنوات من التحولات، وليبيا لا تزال تبحث عن بناء جهاز أمني موحد، استطاع المغرب أن يحصن أمنه الوطني ويصدّر تجربته كـ"ماركة أمنية" ناجحة.

هذا التطور يأتي في وقت يبحث فيه المغرب عن تعزيز دوره الإقليمي، خاصة في مجال الأمن،وقد أظهرت تجربته في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة كفاءة عالية، مما جعله شريكا موثوقا في المنطقة.

في المقابل، تعاني الجزائر من صراعات سياسية داخلية تهدد استقرارها، بينما تواجه تونس تحديات مؤسساتية تؤثر على قدرتها على التعامل مع التحديات الإقليمية، وليبيا، التي لا تزال تبحث عن بناء جهاز أمني موحد، تعاني من انقسامات سياسية تؤثر على استقرارها.

في هذا السياق، يبرز المغرب كقوة أمنية إقليمية مهمة، قادر على تعزيز الاستقرار في المنطقة،وقد أظهرت تجربته في مجال الأمن كفاءة عالية، مما جعله شريكا موثوقا في المنطقة.

المحور الجزائري التونسي مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في تونس، والتطورات الإقليمية المهمة لكلا من تونس والجزائر خاصة فيما يتعلق بالملف الليبي وملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، حدث مزيد من التقارب بين البلدين، وانعكس ذلك في أكثر من صورة، حيث أصبحت الجزائر أحد أبرز الداعمين لتونس، ففي فبراير 2020، أودعت الجزائر 150 مليون دولار أمريكي في البنك المركزي التونسي،كما منحت قرضًا بقيمة 300 مليون دولار “لدعم الاقتصاد التونسي” في عام 2021، ومبلغًا إضافيًا قدره 200 مليون دولار في عام 2022،كما تبيع الجزائر الوقود والغاز لتونس بأسعار تفضيلية.

يؤكد هذا التقارب أيضا عن استمرار حليمة القذرة:  إلى سياسة الرشاوي والابتزاز الطاقي.

يعود نظام العجائز في قصر المرادية إلى سياسة الرشاوي والابتزاز الطاقي، بعد أن انتعشت خزينة الدولة بفضل مداخيل عائدات البترول والغاز، هذا السلوك الشاذ يؤكد أن زعيم البوليساريو وميلشياته لهم كل الأسبقية والاولوية على الشعب المغلوب على أمره.

في الوقت الذي يعاني فيه الشعب الجزائري من ويلات القهر وضيق ذات اليد، يتنقل زعيم البوليساريو عبر طائرة خاصة فخمة بين عواصم العالم من أجل الاستجمام وحضور المؤتمرات، يُدفع الجنرالات لشركة فرنسية لكراء طائرة خاصة من طراز Global 7500 حوالي 20 ألف درهم مغربي لساعة واحدة.

في المقابل، يعاني الشعب الجزائري من ندرة المواد الأساسية، وينشب قتال مميت على كسرة خبز، الجزائر على حافة الإفلاس التام اقتصاديا وماليا واجتماعيا، وبوادر حرب اهلية تقرع الطبول.

بدلا من أن ينتبه حكام قصر المرادية إلى ما يعانيه المواطن المسكين، يقدمون رشاوي تقدر بمليارات الدولارات لمن يقبل أن يجلس بجانب الزعيم الوهمي للبوليساريو إبراهيم غالي في الاحتفالات الرسمية بالجزائر.

هذا الوضع يؤكد أن نظام العجائز في قصر المرادية لا يفكر في الخروج من هذه الوضعية المزرية، وإنما يبحث عن تعزيز نفوذه وتأمين مصالحه على حساب الشعب الجزائري.

المحور التونسي  الجزائري الليبي برزت ملامح هذا المحور مع الجدل الذي صاحب مبادرة تشكيل تكتل مغاربي جديد، وهي مبادرة أطلقها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وسط خلافات مغاربية داخلية، واستثناء المملكة المغربية من الانضمام لهذا التكتل، وهو ما رفضته بعض الجهات وتجاهلته موريتانيا،من المرجح أن يؤدي التحالف الثلاثي الجديد إلى زيادة حدة التنافس بين المغرب والجزائر، وتشتيت جهود العمل المغاربي وزيادة الخلافات، حيث يسعى كل منهما إلى تعزيز نفوذه في العمق الأفريقي.

يذكر أن تونس نفت أن يكون التكتل الثلاثي مع الجزائر وليبيا بديلا لاتحاد المغرب العربي، حيث سبق ان أكد وزير الخارجية التونسي نبيل عمار أن هذه اللقاءات الثلاثية هي لقاءات ذات طابع تشاوري، من أجل التنسيق لإيجاد حلول للعديد من المشاكل والتحديات الأمنية التي تواجه البلدان الثلاثة.

المغرب وموريتانيا شراكة استراتيجية في قلب الصحراء.

من البدهي أن مشروع اتحاد المغرب العربي الذي طرح سنة 1989 تعطل لأسباب معروفة، ومن غير المجدي محاولة إحيائه جزئيا. إقصاء المغرب وموريتانيا من الصيغة التي يروجها البعض خطأ لا يمكن تبريره.

جاء على لسان الحسن الثاني طيب الله تراه، في معرض حديثه عن التحديات الجغرافية والسياسية التي واجهت المغرب عبر التاريخ، أن المغرب عانى خلال قرون من الحصار الجغرافي، خاصة منذ حروب الاسترداد التي قطعت أجزاء من البلاد وما زالت تحت السيطرة الإسبانية. السيطرة العثمانية على الجزائر أغلقت المنفذ الشرقي، ولم تتغير الصورة إلا قليلا مع الاستعمار الفرنسي وما تلاه من استقلال الجارة الشرقية.

المغرب، منذ عهد المرابطين، كان يحكم في الغالب من الجنوب، الذي يمثل المجال الحيوي الجوهري للمملكة. قادة كبار للمغرب، مثل السلطان أحمد المنصور الذهبي والسلطان مولاي إسماعيل، أدركوا أهمية هذا المجال الحيوي وركزوا اهتمامهم عليه.

منطقة الصحراء والساحل كانت في السابق منظومة مندمجة أو "اقتصاد-عالم" حسب تعبير المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل. خطوط الفصل الحالية بين مكوناتها هي نتاج الاستراتيجيات الاستعمارية.

الرئيس السنغالي الراحل ليبولد سيدار سنغور كان يرى أن الصحراء لم تكن حاجزًا بين شمال إفريقيا وغربها، بل كانت جسر تواصل حضاري عميق. مدينة تمبكتو على حافة نهر النيجر تجسد هذا التواصل الحضاري، وقد وصفها سنغور بـ"أثينا بلاد السودان".

تشهد العلاقات المغربية الموريتانية تطورا ملحوظا في ظل قيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله والرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، حيث تتسم بالهدوء والنضج والتوجه العملي نحو تحقيق المصالح المشتركة وتعزيز الروابط التاريخية بين الشعبين الشقيقين.

مؤشرات متانة العلاقات:

- الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

- الحكمة والهدوء في إدارة العلاقات الثنائية، بما يخدم الاستقرار الإقليمي ويجنب التوترات.

مذكرة التفاهم في مجال الكهرباء والطاقات المتجددة:

 وفي نفس الإيطار وقع المغرب وموريتانيا مذكرة تفاهم في 23 يناير 2025 لتطوير الشراكة في قطاعي الكهرباء والطاقات المتجددة، بهدف تعزيز العلاقات الثنائية وتنميتها بما يحقق طموحات البلدين. هذه المذكرة تأتي في إطار دينامية التشاور والتنسيق المستمر بين المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية، وتجسد التوجيهات السامية لجلالة الملك محمد السادس والرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني.

أهداف المذكرة:

- تعزيز التعاون في مجال الكهرباء والطاقات المتجددة.

- تنفيذ مشاريع لتزويد القرى بالكهرباء وتعزيز مبادرات الطاقة النظيفة.

- توحيد الأنظمة الكهربائية القياسية بين البلدين.

- تبادل الخبرات والتقنيات وأفضل الممارسات في مجال إدارة الشبكات والسلامة الكهربائية.

- تعزيز الكفاءات البشرية من خلال برامج تدريبية مشتركة.

مشاريع مستقبلية:

- دراسة إنجاز مشروع ربط كهربائي يعزز استقرار الشبكات ويحسن إمدادات الكهرباء.

- التعاون في مشاريع استراتيجية كبرى مثل مشروع أنبوب الغاز الرابط بين المغرب ونيجيريا ومشاريع الطاقات الجديدة كالهيدروجين الأخضر.

هذه الشراكة تعزز التعاون الإقليمي وتحقيق التنمية المستدامة، وتعكس رؤية قيادتي البلدين في تعزيز العلاقات الثنائية وتحقيق المصالح المشتركة، مما يؤكد على أهمية التكامل الإقليمي في تحقيق الاستقرار والتنمية بالمنطقة.

ورغم شح المعلومات المتوفرة حول التعاون الأمني والاستراتيجي بين موريتانيا والمغرب، إلا أن هناك مؤشرات على تنسيق أمني واستخباراتي بين البلدين خاصة في مجالات مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، ومحاربة الهجرة غير النظامية والتهريب، وحماية الحدود. 

منطقة الساحل الإفريقي وغرب إفريقيا.

تشهد منطقة الساحل الأفريقي وغرب أفريقيا تغييرات مستمرة في علاقاتها مع فرنسا،فقد تلقت فرنسا انتكاسة دبلوماسية جديدة في عدة دول الأفريقية التي طالما اعتبرت حليفة رئيسية لباريس في القارة السمراء،وألغت تشاد الخميس 28 نوفمبر 2024 اتفاقيات التعاون الأمني والدفاعي مع باريس، في خطوة تعيد إلى الواجهة المصاعب المتزايدة التي تواجهها فرنسا مع حلفائها الأفارقة، خاصة منذ حوالي عامين.

هذا التطور يأتي في وقت يبحث فيه المغرب عن تعزيز دوره الإقليمي، خاصة في مجال الأمن،وقد أظهرت تجربته في مجال مكافحة الإرهاب والمجرمة المنظمة كفاءة عالية، مما جعله شريكا موثوقا في المنطقة.

في المقابل، تعاني الجزائر من صراعات سياسية داخلية تهدد استقرارها، بينما تواجه تونس تحديات مؤسساتية تؤثر على قدرتها على التعامل مع التحديات الإقليمية. وليبيا، التي لا تزال تبحث عن بناء جهاز أمني موحد، تعاني من انقسامات سياسية تؤثر على استقرارها.

المحور الجزائري التونسي مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في تونس، والتطورات الإقليمية المهمة لكلا،من تونس والجزائر خاصة فيما يتعلق بالملف الليبي وملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، حدث مزيد من التقارب بين البلدين، وانعكس ذلك في أكثر من صورة، حيث أصبحت الجزائر أحد أبرز الداعمين لتونس.

كان الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي قد طالب بانسحاب القوات الفرنسية بحلول عام 2025، لكنه أكد أن السنغال ستواصل التعاون مع باريس، ومنذ استقلالها عام 1960، كانت السنغال من أوثق حلفاء فرنسا في أفريقيا، واستضافت قواتها العسكرية على مدار تاريخها.

في 17 يوليو 2025، أعلنت فرنسا رسميًا تسليم آخر قاعدتين عسكريتين لها في السنغال، وهما معسكر جيلي (أكبر قاعدة فرنسية في البلاد) والمطار العسكري في مطار دكار الدولي،جاء هذا الإعلان خلال مراسم أُقيمت بحضور كبار المسؤولين من الجانبين، بينهم الجنرال مباي سيسيه (رئيس الأركان السنغالية) والجنرال باسكال ياني (قائد القوات الفرنسية في أفريقيا).

يمثل هذا الانسحاب نهاية لوجود الجيش الفرنسي في السنغال الذي امتد إلى 65 عامًا، ويأتي في سياق انسحابات مماثلة من مستعمرات سابقة باتت تدير ظهرها لهذه القوة الاستعمارية السابقة.

 يأتي انسحاب باريس أيضًا في وقت يشهد فيه إقليم الساحل تصاعدًا في النزاعات، حيث تهدد أعمال العنف في مالي وبوركينا فاسو والنيجر دول خليج غينيا جنوبًا.

دعا الرئيس فاي فرنسا إلى الاعتذار عن الجرائم الاستعمارية، بما في ذلك مجزرة دجنبر 1944 والتي راح ضحيتها عشرات الجنود الأفارقة الذين قاتلوا إلى جانب فرنسا في الحرب العالمية الثانية.

مع تزايد التشكيك في الوجود العسكري الفرنسي في أفريقيا، أغلقت باريس أو قلّصت عدد قواتها في قواعد عدة عبر مستعمراتها السابقة، ففي فبراير الماضي، سلّمت فرنسا آخر قاعدة لها بساحل العاج، منهية بذلك عقودًا من الوجود العسكري هناك،وفي يناير، سلّمت قاعدة كوسي في تشاد آخر موطئ قدم لها في منطقة الساحل.

أطاحت الانقلابات العسكرية في بوركينا فاسو والنيجر ومالي بين عامي 2020 و2023 بحكومات مدنية، وجاءت بأنظمة عسكرية طردت مجتمعة نحو 4300 جندي فرنسي، وقطعت علاقاتها مع باريس، متجهة نحو موسكو طلبًا للدعم في مواجهة اضطرابات الساحل المستمرة منذ عقد.

بعد هذا  الانسحاب، ستبقى جيبوتي المقر الوحيد الدائم للجيش الفرنسي في القارة، حيث تعتزم باريس تحويل قاعدتها هناك، التي تضم نحو 1500 عنصر، إلى مقر القيادة العسكرية الفرنسية في أفريقيا.

لا يمكن فهم إغلاق القواعد العسكرية الفرنسية في أفريقيا بوصفه حدثًا محليًا أو رمزيًا فقط، بل هو تحوّل يعكس لحظة إفريقية ناضجة تعيد فيها الدول، والمجتمعات معها، تعريف الشراكات، وتفكك بوعي مراكز النفوذ التاريخي.

هذه اللحظة تتطلب يقظة سياسية إفريقية كبرى، لا تنجر إلى فراغ استراتيجي، ولا تنخدع بالبدائل السريعة، بل تعمل على بناء ملامح استقلال أمني وفكري واقتصادي مستند إلى الذات وشراكات، وفي هذا السياق، يمكن للمغرب، كقوة إقليمية مؤثرة وفاعلة، أن يلعب دورًا محوريًا في تعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة.

المنصات المعنية بصياغة السياسات الإفريقية مطالَبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإنتاج معرفة نقدية تُنير هذا المسار وتوجّهه بوعي ومسؤولية، لضمان أن تكون هذه التحولات في صالح الشعوب الأفريقية وتسهم في بناء مستقبل أكثر استقلالية واستدامة.

ويمكن للمغرب كدولة محورية في منطقة شمال إفريقيا أن تساهم في إثراء النقاشات التي انطلقت منذ مدة بين دول الساحل على مستويات عدة، تحديدا على مستوى وزراء الدفاع، والتي توسعت لتشمل عددا من الدول الكبرى المعنية بمحاربة ظاهرة الإرهاب والهجرة غير الشرعية مثل الولايات المتحدة ودول الإتحاد الأوربي.

فالمغرب وانطلاقا من التجارب التي عاشها في السنوات الأخيرة في محاربة عنف الجماعات المتطرفة يمكنه أن يقدم خلاصة تجربته في هذا المجال، سواء تعلق الأمر بالناحية الأمنية أو المعالجة السياسية، إضافة إلى معالجته لملفات أخرى مثل تهريب المخدرات وتأمين الحدود والهجرة غير الشرعية وغيرها.

يمثل الأمن الإقليمي في المغرب العربي تحديًا معقدًا يتطلب حلولًا مشتركة وشاملة، كما أن غياب التعاون المشترك بين دول المنطقة للأزمات الإقليمية يفسح المجال أمام أصحاب المشاريع السياسية والأيديولوجية الدولية للتدخل في الشأن المغاربي، وقد أدى هذا الفراغ إلى اندلاع حروب بالوكالة في ليبيا وتدخل قوى أجنبية،كما أن التداخلات السياسية في تونس لا تنفصل عن هذه المشاريع، في حين لم تسلم الجزائر والمغرب وموريتانيا من محاولات التأثير الخارجي عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الأدوات،لذلك فإن التعاون الإقليمي، مع تعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية، يمكن أن يسهم في تحقيق استقرار مستدام في المنطقة وتحصين المنطقة من خطر الأزمات الارتدادية للوضع المضطرب في الساحل والصحراء.