وديغ كامل 
يشكل القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي محطة تشريعية بارزة في مسار إصلاح الجامعة المغربية، إذ يأتي لتعويض القانون 01.00 الذي ظل يؤطر المنظومة لأزيد من عقدين.

 ويقدم النص الجديد من طرف الحكومة باعتباره إطارا قانونيا متجددا يروم تحديث الحكامة، تنويع مصادر التمويل، تعزيز استقلالية الجامعات، وربط البحث العلمي بأولويات التنمية الوطنية ضمن مقاربة تعاقدية قائمة على النجاعة وتقييم الأداء.

غير أن هذا التحول التشريعي، منذ الإعلان عنه، أطلق نقاشا واسعا داخل الأوساط الأكاديمية والنقابية، حيث عبر عدد من الأساتذة الباحثين والفاعلين الجامعيين عن تحفظات عميقة تتجاوز التفاصيل التقنية إلى جوهر فلسفة الإصلاح واتجاهاته الاستراتيجية.

مجانية التعليم… خط أحمر أم قابل لإعادة التأويل؟

أولى نقاط الجدل ترتبط بمبدأ مجانية التعليم العالي العمومي. فإمكانية إحداث تكوينات أو مسارات بمقابل مادي داخل الجامعات العمومية اعتبرها جزء من المنتقدين كبداية لتحول بنيوي قد يمس فلسفة التعليم كخدمة عمومية ذات بعد اجتماعي. ويرى هؤلاء أن توسيع هذا التوجه مستقبلا قد يفضي إلى تكريس نظام مزدوج داخل الجامعة، حيث تستفيد الفئات القادرة ماليا من تكوينات ذات جودة أعلى أو شروط أفضل، مما يهدد مبدأ تكافؤ الفرص ويعمّق الفوارق الاجتماعية في الولوج إلى المعرفة.

في المقابل، يؤكد المدافعون عن القانون أن تنويع مصادر التمويل لا يعني إلغاء المجانية، بل يمثل آلية لتوفير موارد إضافية تمكن الجامعة من تحسين بنياتها، وتطوير البحث العلمي، واستقطاب كفاءات جديدة، دون المساس بالحق الدستوري في التعليم.

حكامة جديدة… أم إعادة توزيع لمراكز القرار؟

المحور الثاني للنقاش يتعلق بإعادة هيكلة حكامة الجامعات، خاصة عبر إحداث “مجلس الأمناء”. فبينما يسوق هذا المجلس كآلية استراتيجية لتعزيز الرقابة والتخطيط وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي، يرى بعض الأساتذة أنه قد يفضي إلى تقليص أدوار الهيئات المنتخبة، وعلى رأسها مجلس الجامعة، بما قد يؤثر على مبدأ الديمقراطية الداخلية والاستقلالية الأكاديمية.

وتتمحور التخوفات حول احتمال انتقال مركز الثقل في اتخاذ القرار من الفضاء الأكاديمي المنتخب إلى بنيات يغلب عليها الطابع التدبيري أو الاقتصادي، وهو ما قد يغير طبيعة التوازنات داخل المؤسسة الجامعية ويعيد تعريف علاقتها بالدولة وبالقطاع الخاص.

البحث العلمي بين منطق التنمية ومنطق السوق

على مستوى البحث العلمي، ينص القانون على إدماجه في استراتيجية وطنية وربطه بأولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. غير أن جزءا من الخطاب النقدي يعتبر أن التركيز المتزايد على مؤشرات الأداء والنتائج القابلة للقياس قد يوجه البحث نحو المجالات ذات العائد السريع، على حساب البحث الأساسي أو الدراسات الإنسانية والاجتماعية التي لا تقاس قيمتها دائماً بمردود مالي مباشر.

ويحذر بعض الفاعلين من أن إخضاع البحث لمنطق “النجاعة الاقتصادية” قد يضعف التنوع المعرفي ويحد من حرية اختيار المواضيع العلمية، ما لم تضمن توازنات واضحة تحمي استقلالية الباحثين وتعدد التخصصات.

سؤال المنهجية والتشاركية

لم يخل مسار إعداد المشروع من انتقادات تتعلق بالمنهجية المعتمدة، إذ اعتبر عدد من الفاعلين أن المقاربة لم تكن تشاركية بما يكفي، وأن الحوار مع النقابات والهيئات التمثيلية للأساتذة لم يرق إلى مستوى الإصلاح المنتظر. هذا المعطى عزز لدى فئة من الأكاديميين الانطباع بأن المشروع جاء بصيغة “فوقية”، بدل أن يكون ثمرة نقاش مؤسساتي واسع داخل الجامعة نفسها.

بين ضرورة التحديث وصراع التصورات

في المقابل، يرى أنصار القانون أن المنظومة الحالية أبانت عن محدوديتها في مواجهة التحولات الديموغرافية والتكنولوجية والاقتصادية، وأن الإبقاء على النموذج السابق لم يعد خيارا واقعيا . ويؤكدون أن تعزيز الاستقلالية وربط التمويل بالأداء يشكلان رافعتين ضروريتين لتحسين جودة التكوين، والرفع من تنافسية الجامعات المغربية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

في المحصلة، لا يختزل الجدل حول القانون 59.24 في اختلاف تقني حول مواد قانونية، بل يعكس صراعا أعمق حول وظيفة الجامعة في المشروع المجتمعي للمغرب: هل تظل فضاءا عموميا أساسه تكافؤ الفرص والمعرفة كقيمة في حد ذاتها، أم تتحول تدريجيا إلى فاعل تنموي مندمج في منطق التنافسية والسوق؟

بين هذين التصورين يتواصل النقاش، بما يكشف أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بنص قانوني جديد، بل بمستقبل الجامعة العمومية ودورها في بناء مجتمع المعرفة والعدالة الاجتماعية.