تتجدد على منصات التواصل الاجتماعي دعوات إلى مقاطعة استهلاك اللحوم الحمراء، في ظل الارتفاع الملحوظ الذي تعرفه أسعارها في الأسواق الوطنية، ما أعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً متجدداً حول فعالية هذا الشكل من الضغط المدني في التأثير على التوازنات الاقتصادية.
ويعتبر عدد من النشطاء أن المقاطعة تمثل وسيلة سلمية للتعبير عن رفض الغلاء، ورسالة مباشرة إلى مختلف المتدخلين في سلسلة الإنتاج والتوزيع، مفادها أن المستهلك لم يعد قادراً على تحمل زيادات متتالية تثقل كاهله، خاصة في سياق اجتماعي يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
في المقابل، يرى مهنيون في القطاع أن الوضع الحالي لا يمكن اختزاله في منطق العرض والطلب فقط، مؤكدين أن أسباب الغلاء أعمق وترتبط بعوامل هيكلية، من بينها تراجع القطيع الوطني نتيجة سنوات من الجفاف، وارتفاع تكاليف الأعلاف، إضافة إلى كلفة الاستيراد التي تأثرت بدورها بتقلبات السوق الدولية.
وبين هذين الطرحين، يتواصل الجدل حول جدوى المقاطعة، حيث يعتقد البعض أنها قد تشكل أداة فعالة إذا كانت واسعة ومنظمة وتستمر لفترة كافية، بما يسمح بإحداث تأثير ملموس على مستويات الطلب وبالتالي الأسعار. في حين يحذر آخرون من محدودية هذا الخيار، معتبرين أن الاختلالات البنيوية في سلاسل الإنتاج والتوزيع تجعل من الصعب تحقيق نتائج سريعة أو مستدامة عبر المقاطعة وحدها.
هذا النقاش يعكس في العمق أزمة ثقة متنامية بين المستهلك والفاعل الاقتصادي، في ظل شعور عام بأن آليات ضبط السوق لا تعمل بالكفاءة المطلوبة، وأن التوازن بين حماية القدرة الشرائية وضمان استمرارية الإنتاج لا يزال بعيد المنال.
وفي انتظار حلول شاملة تعالج جذور الأزمة، يبقى المواطن المغربي أمام خيارات محدودة، بين التكيف مع واقع الأسعار أو الانخراط في أشكال احتجاجية سلمية، في مشهد يعكس تعقيد معادلة السوق الوطنية في ظل تحديات داخلية وخارجية متشابكة.