تعيش مدينة الدار البيضاء، في مفارقة لافتة، على إيقاع تظاهرات دولية كبرى في مجال الصحة الرقمية والابتكار، من قبيل “Gitex Health”، في وقت تعاني فيه مستشفياتها العمومية من اختلالات يومية تمس جوهر الحق في العلاج. هذا التناقض يطرح تساؤلات عميقة حول أولويات إصلاح المنظومة الصحية، وحدود تأثير الخطاب المرتبط بالمستقبل الرقمي على واقع صحي لا يزال يئن تحت ضغط الخصاص.

فمؤسسات استشفائية كبرى، مثل المستشفى الجامعي ابن رشد، ومستشفى 20 غشت، ومستشفى الهاروشي، ومستشفى أبو وافي، وغيرها من المرافق الحيوية، تواجه يوميا تحديات متراكمة، أبرزها الاكتظاظ الحاد، وطول فترات الانتظار، والضغط الكبير على الأطر الطبية والتمريضية، إلى جانب محدودية الموارد البشرية والتجهيزات. وضع ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة، ويزيد من معاناة المرضى والمرتفقين الذين يقصدون هذه المؤسسات بحثا عن العلاج والإنصات.

ورغم أهمية التوجه نحو رقمنة القطاع الصحي وتبني الابتكار كرافعة للتطوير، إلا أن هذه المبادرات تظل محدودة الأثر إذا لم تواكبها معالجة حقيقية للاختلالات البنيوية التي تعاني منها المستشفيات العمومية. فالصحة الرقمية، مهما بلغت من تطور، لا يمكن أن تعوض غياب الطبيب، أو نقص الممرضين، أو قلة الأسرة، أو ضعف البنيات التحتية، كما لا يمكنها أن تختزل البعد الإنساني في تقديم الخدمات الصحية.

إن المستشفيات العمومية بالدار البيضاء ليست مجرد مرافق إدارية، بل تشكل الملاذ الأول لآلاف المواطنات والمواطنين، خصوصا من الفئات الهشة، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة يومية مع صعوبات الولوج إلى العلاج. لذلك، فإن إصلاح هذا الواقع لا يحتمل التأجيل، ويستدعي إرادة قوية لإعادة ترتيب الأولويات، بما يضمن تحسين ظروف الاستقبال، وتسريع المواعيد، وتوفير الموارد الكافية.

إن الحديث عن مستقبل الصحة ينبغي أن ينطلق من إنقاذ حاضرها. فقبل الترويج لشعارات الابتكار والتكنولوجيا، يظل الرهان الحقيقي هو ضمان حق المواطن في علاج كريم، متاح، وفي آجال معقولة.

 بدون ذلك، تبقى كل المبادرات الرقمية مجرد واجهة لا تعكس عمق التحديات التي يعيشها القطاع الصحي على أرض الواقع.