عبد الغني المساعد
الحمد لله الذي كتب على عباده الموت والفناء، وتفرّد سبحانه بالدوام والبقاء.
والصلاة والسلام التامّان الأكملان على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته الأتقياء.

قال تعالى:
 ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾

ديدن الوجود أن نأتي يوماً، وفي آخر نعود.
 ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾

رحلة قصيرة في الزمان، لكنها تعظُم بطول أثرها، وترسخ في الذاكرة بما خلّفته من أفعال وأعمال.
ذاكرة المكان، ذاكرة الزمان، ذاكرة الإنسان.

أرواح شفافة رقيقة، عاهدت فأوفت، وصدقت فصدّقت، ولزمت والتزمت بما عرفت.
 هم الرجال الذين قال الله فيهم:
 ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾

هكذا عرفناه، وعلى هذا فارقناه، في انتظار أن يسقينا وإياه من حوض رسول الله ﷺ شربة لا نظمأ بعدها أبداً، بإذن الكريم الرحيم.

هكذا عرفناك، سيدي الحاج عبد السلام اشماعو،
 الأستاذ المعلم، عضو المجلس العلمي المحلي لمدينة سلا،
 سليل الأسرة العريقة "عائلة اشماعو"،
 و قبل ذلك وبعده: المريد الصادق، المنافح المجاهد، الثابت على العهد،
 الطود الشامخ في الطريقة القادرية البودشيشية، طريقة السالكين المحبين على منهاج خير البرية ﷺ.

إنه الرجل الذي أفنى زهرة حياته في حب ليلى،
 فلما دنَا من حيّها سمع نداها، فبان له أن قلبه قد صار بعض حماها،
 فغاب في حسنها وبهاها.

هكذا عرفناه: ذاتاً تشعّ بنور "لا إله إلا الله"،
وروحاً تفيض شوقاً لرسول الله ﷺ.


الرجل المتواضع الحكيم، ذو الصدر الرحيب، المحبّ الخيرَ للجميع، الخلوقُ المطيعُ للخالق.
 مواعظه ودروسه لا تزال تُروى ممن جالسه أو عاصره في السير إلى الله ومحبة رسوله ﷺ.

سيدي الحاج عبد السلام اشماعو يشهد له كل من عرفه بحسن السمت، وبالوقار الذي يليق بأهل العلم والعلماء.
 لقد كان كما في الآية الكريمة:
 ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ۝ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾

وإن العين لتدمع لفراقه، ولكن حزن القلب يأتي مشفوعاً بفرحٍ بحسن الخاتمة.
 خاتمة الصادقين في عهدهم، الثابتين عليه، لم تنل منهم النوازل، ولم تحدهم عن المقصد والمراد.
من الرجال الذين عرفوا الله، فعرفوا به، فساروا في الناس أهله وخاصته.

هنيئاً للحاج عبد السلام على صحبة أقطاب التربية، شيوخ الطريقة القادرية البودشيشية، من عهد الشيخ الكامل الجامع سيدي أبي مدين إلى بشارة العارفين، سرّ فرح وربح المريدين، سيدي ابن الأسياد مولاي منير القادري بودشيش.
صحبةٌ غيّرت الغفلة إلى شهود، والظلمة نور.

مدرسةٌ يرتوي فيها المريد من حال شيخه، فتصفى الروح، ويرتقي الحسّ والمعنى،
ويعبد الله عبادة من يرى، أو يقين من أدرك أنه يرى، وذاك عندهم الأدنى.
 عبادة محبة وشوق، وانتظار لمشاهدة الحق.

لقد جاهد سيدي الحاج عبد السلام اشماعو في خدمة أهل الله،
 وكابد في صدّ هوى النفس حتى غدت نفساً راضية مرضية، بفضل الصحبة الربانية.
 وسار على مذهب من تدرّجوا من علم اليقين إلى عين اليقين حتى حق اليقين،
 ومن سماع عن الله إلى مشاهدة آثاره في كل موجود،
 في ظلّ وضمان المأذونين أهل التزكية والتربية، أصحاب السلسلة الذهبية الواصلة الموصلة إلى حضرة سيدي رسول الله ﷺ.

اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسّع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الذنوب والخطايا كما ينقّى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم ارفع درجته في عليين، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار.

اللهم اجزه عن العلم الذي علّم، وعن الخلق الذي جمّل، وعن الصحبة التي صدق فيها، خير الجزاء.
واجمعنا به في مستقر رحمتك، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

وإنا نسألك اللهم لأهله وذويه ومحبيه الصبر الجميل، والسلوان الجميل، والرضا بقضائك وقدرك.
فما عند الله خير وأبقى، وما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.