في السياسة، قد تقول لائحة المرشحين عن الحزب أكثر مما يقوله برنامجه الانتخابي. فحين تحين لحظة توزيع التزكيات، تسقط الكثير من الشعارات، ويظهر عمليا من يثق فيه التنظيم، ومن يعتبره قادرا على حمل اسمه والدفاع عن موقعه داخل معركة انتخابية لا تحتمل كثيرا من المجاملة.
ومن هذه الزاوية، تستحق الطريقة التي يرتب بها حزب الأصالة والمعاصرة مشاركته في الانتخابات التشريعية المقبلة قراءة تتجاوز حساب عدد المرشحين وتوزيعهم على الدوائر. فخلف الأسماء التي يجري الدفع بها، تبرز محاولة لترتيب العلاقة بين الحزب ومن صنعوا مسارهم داخله، بعد سنوات كان فيها البام واحدا من أكثر الأحزاب قدرة على جذب شخصيات سياسية وانتخابية من خارجه.
اليوم تبدو الصورة مختلفة نسبيا.
الحزب الذي كان يبحث، في مراحل سابقة، عن توسيع حضوره واستكمال بنائه التنظيمي، أصبح يتوفر على رصيد بشري صنعته سنوات من الانتخابات والعمل داخل الجماعات والبرلمان والهياكل الحزبية. ومع هذا التراكم، لم يعد مضطرا إلى البحث خارج أسواره بالوتيرة نفسها، لأن جزءا مهما من الأسماء القادرة على خوض المنافسة أصبح موجودا أصلا داخله.
وتكشف الأرقام هذا التحول بوضوح. فنحو 58 في المائة من مرشحي الأصالة والمعاصرة تدرجوا داخل هياكل الحزب وسبق لهم خوض تجارب انتخابية باسمه. أي أن أغلبية الأسماء التي يدفع بها البام ليست في حاجة إلى التعرف على الحزب عشية الحملة، ولا إلى اكتشاف خطابه وتنظيمه وقواعده مع بداية السباق نحو البرلمان.
هذه النسبة تعطي معنى آخر للتزكية.
فبالنسبة إلى حزب سياسي، لا يتعلق الأمر فقط باختيار شخص قادر على جمع أكبر عدد من الأصوات، وإنما بتحديد طبيعة العلاقة التي يريد بناءها مع أعضائه. وحين يعرف المسؤول المحلي أو المنتخب أو عضو التنظيم الموازي أن سنوات العمل داخل الحزب يمكن أن تمنحه فرصة للتقدم وتحمل مسؤوليات أكبر، فإن الانتماء نفسه يكتسب قيمة سياسية.
أما حين يصبح موسم الانتخابات مناسبة لوصول أسماء من خارج التنظيم مباشرة إلى مقدمة الصف، بينما يبقى من اشتغلوا داخله لسنوات في الخلف، فإن السؤال لا يعود فقط سؤال عدالة في توزيع التزكيات، بل يصبح سؤالا حول جدوى العمل الحزبي نفسه.
ويبدو أن البام يحاول هذه المرة معالجة هذه المعادلة دون الذهاب إلى إغلاق أبوابه.
فالحزب لم يتخل عن استقطاب أسماء جديدة، ولا يبدو أنه يريد ذلك أصلا. هناك كفاءات ووجوه التحقت به حديثا وستدخل الانتخابات باسمه، وهو أمر يدخل في صميم حركة الأحزاب وتجددها. لكن اللافت أن هذه الأسماء تأتي إلى جانب كتلة أكبر من المرشحين الذين يمتلكون مسارا سابقا داخل التنظيم.
وهنا يوجد الفارق.
أن يستقطب حزب كفاءات جديدة شيء، وأن يعيد بناء لوائحه بالكامل من خارج هياكله عند كل موعد انتخابي شيء آخر. الأول يوسع الحزب، أما الثاني فقد يجعل التنظيم مجرد عنوان انتخابي يستعمل خلال الحملة ثم ينتظر الاستحقاق الموالي.
بالنسبة إلى الأصالة والمعاصرة، تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى البحث عن التوازن. الحزب يريد الاحتفاظ بمن راكموا التجربة باسمه، وفي الوقت نفسه لا يريد أن يفقد قدرته على جذب أسماء جديدة يمكنها أن تضيف إلى حضوره السياسي والانتخابي.
وفي قلب هذه المعادلة تظهر مسارات لأسماء بدأت تجربتها السياسية داخل البام نفسه، وتقدمت تدريجيا داخل هياكله، قبل الوصول إلى واجهة الاستحقاقات التشريعية. ومن بينها نجوى كوكوس، التي تشكل تجربتها مثالا على جيل ارتبط مساره السياسي بالحزب وتولى داخله مسؤوليات مختلفة قبل تجديد الثقة فيه انتخابيا.
غير أن قيمة هذه الحالات لا تكمن في الأشخاص وحدهم، وإنما في ما تعنيه بالنسبة إلى الحزب.
فبعد أكثر من عقد ونصف على وجود الأصالة والمعاصرة في المشهد السياسي، أصبح السؤال الذي يواجهه مختلفا عن سؤال سنواته الأولى. لم يعد المطلوب فقط بناء التنظيم والانتشار وربح المواقع الانتخابية، بل إثبات أن الحزب أصبح مؤسسة قادرة على إنتاج نخب سياسية من داخلها.
وهذه واحدة من أصعب مراحل بناء الأحزاب.
يمكن لأي تنظيم أن يستقطب اسما معروفا، ويمكنه أن يمنحه تزكية في دائرة مناسبة، وقد ينجح الاسم في الوصول إلى البرلمان. لكن صناعة إطار سياسي يحتاج إلى وقت أطول: مسؤوليات داخل التنظيم، تجربة انتخابية، احتكاك بالميدان، معرفة بالمؤسسات، ثم انتقال تدريجي إلى مواقع أكبر.
عندما تبدأ هذه السلسلة في الاشتغال، يصبح الحزب أقل ارتباطا بالأفراد وأكثر قدرة على الاستمرار.
ولهذا لا ينبغي اختزال نسبة 58 في المائة في كونها دليلا على الوفاء للمناضلين. المسألة أوسع من ذلك. إنها تعني أن البام أصبح يمتلك مخزونا من التجارب السياسية يمكنه أن يستخرج منه أغلبية عرضه الانتخابي، بعدما كان توسيع صفوفه بالاستقطابات واحدا من أبرز سمات مرحلة بناء الحزب وانتشاره.
لكن نجاح هذا التحول سيظل رهينا بشروط أخرى.
فليس كل من قضى سنوات داخل حزب مؤهلا بالضرورة لدخول البرلمان، كما أن الوافد الجديد ليس أقل كفاءة لمجرد أنه وصل حديثا. التحدي الحقيقي يوجد في قدرة الحزب على الجمع بين المسار والكفاءة، وبين الوفاء لمن اشتغلوا داخله والحاجة إلى تجديد نخبه.
لذلك، ستكون القيمة السياسية لهذا الاختيار أكبر إذا أصبح التدرج داخل الهياكل مرتبطا بالأداء والنتائج والحضور الميداني، لا بمجرد الأقدمية. لأن مأسسة العمل الحزبي لا تعني مكافأة سنوات الانتماء، وإنما تحويل الحزب إلى فضاء يفرز الكفاءات ويختبرها ويمنح الأفضل بينها فرصة تحمل المسؤولية.
وهي معادلة ستختبرها الانتخابات المقبلة.
فالبام يدخل السباق بأسماء يعرف جزء كبير منها الحزب من الداخل، وسبق لعدد منها أن اختبر صناديق الاقتراع باسمه. وإلى جانبها، يدفع بوجوه جديدة بحثا عن توسيع عرضه وإضافة خبرات أخرى.
قد تختلف نتائج هذه الأسماء من دائرة إلى أخرى، لكن المعركة التنظيمية بدأت قبل فتح مكاتب التصويت. إنها معركة تحديد من يمثل الحزب، وكيف يصل إلى التزكية، وما إذا كانت سنوات الاشتغال داخل التنظيم قادرة فعلا على فتح الطريق نحو المسؤولية.
وعلى هذا المستوى، تحمل نسبة 58 في المائة رسالة يصعب تجاهلها: الأصالة والمعاصرة الذي عرف طويلا بقدرته على استقطاب الأسماء من خارجه، يدخل مرحلة يريد فيها أن يقدم أيضا الأسماء التي صنعتها تجربته من الداخل.
وبين صناعة المرشح واستقطابه، قد تكون هذه واحدة من التحولات التي ستحدد شكل البام في المرحلة السياسية المقبلة.