في الوقت الذي تسابق فيه الجهات الوصية الزمن  لجعل  المنظومة التربوية المغربية تساهم في ارساء دعائم "مدرسة الجودة" وحماية مسار المتعلمين، تأبى بعض الإدارات التربوية إلا أن تسبح ضد  التيار، محولة الفضاءات التعليمية إلى ساحات لتصريف قرارات انفرادية تُغلف بشعارات رنانة كـ "الأنشطة البيئية". ما تعيشه الثانوية التأهيلية البروج التابعة لمديرية سطات هذه الأيام، ليس مجرد زوبعة في فنجان، بل هو تشريح دقيق لأزمة حكامة إدارية تضرب عرض الحائط بالمساطر القانونية الجاري بها العمل.

تأديب على المقاس.. وتغييب مقصود للقانون

القصة بدأت بتأخر تلاميذ عن حصصهم، وهو سلوك يقع يومياً في آلاف المؤسسات ويُعالج وفق مساطر واضحة. لكن في ثانوية البروج، فضل القائمون على الإدارة ارتداء قبعة "الجلاد" بدل "المربي". فبدون تشكيل لجان أو الرجوع إلى الهيئات المختصة، تم إصدار حكم ارتجالي بتحويل التلاميذ إلى عمال نظافة وبستنة.

هذا التصرف يطرح علامة استفهام كبرى حول مدى إلمام الإدارة بالنصوص المؤطرة لعملها، وتحديداً المرسوم رقم 2.02.376 الذي هو مثابة النظام الأساسي الخاص بمؤسسات التربية والتعليم العمومي. هذا المرسوم ينص بشكل لا يقبل التأويل على أن اقتراح القرارات التأديبية في حق التلاميذ غير المنضبطين، هو اختصاص أصيل وحصري لـ "مجالس الأقسام" وتركيبته منصوص عليها في المادة 30 منه و أن القفز على هذه المجالس هو إلغاء مؤسساتي فاضح، ومصادرة لحق التلميذ في محاكمة تربوية عادلة تستحضر ظروفه النفسية والاجتماعية.  

"بيان الحقيقة".. حينما يتحول الدفاع إلى إدانة

وعندما افتضح الأمر وتحول الأمر الى شكايات رسمية ومقالات صحفية في الإعلام، خرجت المؤسسة بـ "بيان حقيقة" زاد الطين بلة. ادعت الإدارة أن الأمر يتعلق بـ "مشاركة تطوعية في أنشطة النادي البيئي". هنا نكون أمام سابقة خطيرة؛ فهل يُعقل أن "يتطوع" تلميذ لتنظيف الساحة في وقت تُسجل فيه غياباً عن حصته الدراسية الرسمية؟

لقد تناست الإدارة أن المذكرة الوزارية 084x21 المنظمة لإدماج أنشطة الحياة المدرسية، قد اشترطت بحزم ممارسة هذه الأنشطة "دون الإخلال بالسير العادي للدراسة". إن تحويل "البيئة" إلى شماعة لتعليق التجاوزات التأديبية لا يشوه فقط صورة الأندية التربوية، بل يمثل تحايلاً مفضوحاً على الزمن المدرسي للمتعلم. الأسوأ من ذلك، هو انزلاق البيان نحو شخصنة القضية بمهاجمة ولي أمر التلميذ (الإعلامي ) والنبش في مسار ابنه، و الانزلاق الى امور يجرمها القانون من قبيل افشاء السر المهني و التشهير وقانون حماية معطيات شخصية  في خطوة تعكس إفلاساً في تقديم الحجج الإدارية الدامغة واستبدالها بلغة أقرب إلى تصفية الحسابات.  

هدر "زمن التعلم" على أعتاب الامتحانات

الجريمة التربوية الأكبر في هذا الملف تكمن في التوقيت. نحن على أبواب امتحانات إشهادية وجهوية تتطلب استنفار كل الطاقات التربوية  لتوفير الدعم وتثبيت التعلمات. في هذا السياق الحرج، تجد الإدارة الوقت الكافي لإخراج التلاميذ لاقتلاع الأعشاب، ضاربة عرض الحائط بكل التوجيهات الوزارية الداعية إلى السهر على ضمان استفادة التلاميذ من "زمن التعلم كاملاً".  

رسالة إلى من يهمه الأمر

إن ما يقع في ثانوية البروج ليس شأناً داخلياً يُعالج ببيانات تجميلية على منصات التواصل الاجتماعي، بل هو جرس إنذار للمديرية الإقليمية بسطات وللأكاديمية الجهوية و الوزارة المعنية ،  إن الاكتفاء بوضعية المتفرج، أو محاباة الإدارة على حساب تطبيق القانون، يعني شرعنة واضحة لـ "العبث".

المطلوب اليوم إيفاد لجان افتحاص إدارية وتربوية محايدة، للبحث ،  والتدقيق في سجلات مجالس الأقسام، للتاكد من صحة سوء السلوك المزعوم في بيان المؤسسة  ومطابقة لوائح الغياب مع جداول حصص المتعلمين، وترتيب الجزاءات الادارية و الاكثر من ذلك التدقيق  متلاشيات البناء المفكك بالمؤسسة  و تبديدها ومدى احترام المساطر القانونية بشأنها ،  و في حق كل من تسول له نفسه هدر الزمن المدرسي تحت طائلة "العقوبات البديلة" العشوائية. فكرامة التلميذ المغربي، وحقه الدستوري في التعلم، أسمى من أن يُداسا تحت أقدام الارتجالية.