_رضوان عريف _
في كل مرة تعلن فيها الدولة عن "إصلاح جديد" للتعليم، يُطلب من المغاربة أن يصفقوا قبل أن يروا النتائج. أسماء تتغير، شعارات تلمع، ووعود تُقدَّم وكأن المدرسة المغربية ستتحول فجأة إلى نموذج عالمي. واليوم، جاء الدور على ما يسمى "بالمدرسة الرائدة"، المشروع الذي يتم تسويقه كحل سحري لإنقاذ التعليم، بينما الواقع يطرح سؤالًا خطيرًا: هل فعلاً نُصلح المدرسة المغربية.. أم نُجرب في أبناء الفقراء مرة أخرى؟
فكرة "المدرسة الرائدة" تقوم على نماذج حديثة تعتمد الرقمنة، الأنشطة الموازية، طرق تدريس جديدة، وتتبع دقيق للتلميذ. على الورق تبدو جميلة، لكن المشكلة ليست في الورق.. المشكلة في المغرب الحقيقي.
كيف يمكن الحديث عن "مدرسة رائدة" في مؤسسات لا تتوفر حتى على مراحيض محترمة؟ كيف سننجح في رقمنة التعليم وهناك تلاميذ في القرى مازالوا يقطعون الكيلومترات للوصول إلى القسم؟ كيف سنصنع "تلميذ المستقبل" وأستاذ اليوم يعيش ضغطًا نفسيًا ومهنيًا خانقًا؟
التجارب العالمية نفسها ليست دائمًا ناجحة كما يتم الترويج لها.
في فرنسا، عرفت عدة إصلاحات تعليمية حديثة إنتقادات واسعة بسبب تراجع المستوى الدراسي وإرتفاع الفوارق بين الطبقات الإجتماعية. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، رغم ضخامة الميزانيات والتكنولوجيا، تعاني مدارس كثيرة من العـ.ـنف وضعف التحصيل الدراسي، خصوصًا في الأحياء الفقيرة. أما في بعض الدول التي حاولت إستنساخ نماذج تعليمية أجنبية بسرعة، فقد إصطدمت بالواقع الإجتماعي والثقافي، فتحولت "الإصلاحات" إلى مجرد شعارات سياسية.
المغرب اليوم لا يحتاج إلى "مدرسة رائدة" بالشكل الدعائي الذي يتم تقديمه، بل يحتاج أولًا إلى مدرسة عادلة.
مدرسة تحترم الأستاذ قبل السبورة الرقمية.
مدرسة توفر الكرامة للتلميذ قبل الحديث عن الإبتكار.
مدرسة تُبنى على الواقع المغربي لا على تقارير أجنبية جاهزة.
لأن أكبر خطأ ترتكبه السياسات التعليمية في المغرب، هو أنها تحاول تقليد دول تختلف عنا إقتصاديًا وإجتماعيًا وحتى ثقافيًا، دون أن تسأل: هل البيئة المغربية أصلًا مهيأة لهذا النموذج؟
في دول متقدمة، "المدرسة الرائدة" جاءت بعد عقود من الإستثمار الحقيقي في الإنسان والبنية التحتية. أما عندنا، فيبدو أننا نضع الطلاء على جدران متشققة ثم نطلب من الجميع أن يقتنع بأن البناء أصبح حديثًا.
النتيجة؟أستاذ مرهق.. تلميذ ضائع.. وأسرة فقدت الثقة في المدرسة العمومية.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالشعارات، بل يبدأ من القسم المهمل، من الأستاذ المقهور، من التلميذ الذي يدرس في البرد، ومن المدرسة التي تفتقد أبسط شروط الكرامة.
أما تحويل التعليم إلى حملة دعائية تحت إسم "المدرسة الرائدة"، فلن يصنع الريادة.. بل قد يصنع جيلاً آخر يدفع ثمن التجارب الفاشلة.