في الوقت الذي تعيش فيه آلاف الأسر بتامسنا بعمالة الصخيرات-تمارة على وقع أزمة عطش خانقة، وتضطر ساكنة عدد من الدواوير إلى قطع مسافات طويلة بحثا عن الماء الصالح للشرب، يصر بعض المسؤولين والمنتخبين على تقديم المهرجانات واستعراضات الفروسية التقليدية وكأنها أولوية قصوى، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام حول ترتيب الأولويات واحترام انتظارات المواطنين.
ليس من المقبول أن تصرف الإمكانيات على تنظيم احتفالات كبرى، بينما ما تزال أبسط الحقوق الأساسية غائبة عن شريحة واسعة من السكان. فالمواطن الذي لا يجد الماء في منزله، ولا يستفيد من خدمات عمومية لائقة، لن تقنعه صور الاحتفالات ولا مواكب الفرسان، لأن كرامته تبدأ من حقه في العيش الكريم، لا من متابعة العروض والمهرجانات.
إن الفروسية التقليدية المغربية تراث وطني أصيل نفتخر به جميعا، ولا أحد يعارض الحفاظ عليه أو تثمينه، لكن الخطير هو تحويل هذا الإرث الثقافي إلى منصة للدعاية السياسية، واستغلاله لإبراز وجوه انتخابية في وقت مبكر، في محاولة لاستمالة الرأي العام تحت غطاء الثقافة والاحتفال بالمناسبات الوطنية.
وإذا كانت مناسبة عيد العرش المجيد محطة وطنية جامعة، فإن قدسيتها تقتضي أن تبقى بعيدة عن كل أشكال التوظيف السياسي أو الانتخابي، لأن هذه المناسبة ملك لجميع المغاربة، وليست فرصة لتلميع الصور أو تصفية الحسابات أو كسب النقاط السياسية.
والأكثر إثارة للاستغراب هو مشهد سقي فضاءات العروض والميادين بالمياه، بينما تعاني دواوير بأكملها من العطش ،فكيف يمكن تبرير هذا التناقض الصارخ؟ وكيف يشعر المواطن الذي ينتظر صهريجا للماء وهو يرى هذه الكميات تستعمل في خدمة مهرجان احتفالي؟ إنها مفارقة تعكس خللا حقيقيا في ترتيب الأولويات.
وفي هذا السياق، يعبر عدد من مكونات النسيج الجمعوي عن استنكارهم لما يعتبرونه سلوكا غير أخلاقي، يتمثل في استغلال الأنشطة الثقافية والتراثية لأغراض سياسية وانتخابية، بدل جعلها فضاءات للحفاظ على الهوية المغربية وخدمة الثقافة الوطنية بعيدا عن أي حسابات ضيقة.
إن التنمية لا تقاس بعدد المهرجانات، ولا بحجم المنصات والاستعراضات، وإنما بقدرة المسؤولين على توفير الماء الشروب، وتحسين البنيات الأساسية، وفك العزلة، والاستجابة للمطالب المشروعة للمواطنين ، فهذه هي الإنجازات التي تبقى في ذاكرة الناس، أما الصور والشعارات فلا تصمد أمام واقع المعاناة اليومية.
لقد أصبح المواطن أكثر وعيا من أي وقت مضى، ولم تعد الحملات المقنعة بثوب الثقافة والتراث تنطلي عليه، فالساكنة تريد أفعالا لا استعراضات، وإنجازات لا مهرجانات، وحلولا حقيقية لا صورا للاستهلاك الإعلامي.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هل أصبحت الأولوية اليوم هي تنظيم المواسم والمهرجانات، أم إنقاذ ساكنة ما زالت تعاني من العطش والتهميش؟ إنه سؤال مشروع، والإجابة عنه لن تكون بالخطب ولا بالاستعراضات، وإنما بقرارات مسؤولة تضع الإنسان وكرامته في صدارة الاهتمام، لأن التنمية الحقيقية تبدأ من تلبية الحاجات الأساسية للمواطن، قبل أي احتفال.