لم يعرف جهاز الأمن الوطني بالمغرب تطوره باعتباره بنية مغلقة تشتغل بمنطق داخلي منفصل عن الدولة، ولا كإدارة تتوسع بشكل آلي مع مرور الزمن.
بل إن مساره منذ النشأة ارتبط برؤية شاملة لطبيعة الدولة، ولمفهوم السلطة، وللعلاقة بين حفظ النظام العام وصون حقوق المواطنين، وكذا لكيفية حضور الدولة داخل المجتمع. لذلك، لا يمكن قراءة تاريخ هذه المؤسسة خارج الإطار الملكي الذي تأسست فيه، ولا بمعزل عن التحولات الكبرى التي أعادت، عبر مختلف العهود، صياغة مفهوم الأمن وأدواره وآفاقه.
في مرحلة الملك محمد الخامس رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه ، ارتبط الأمن منذ البداية بفكرة الاستقلال. فبعد عودته من المنفى في 16 نونبر 1955، دخل المغرب مرحلة بناء الدولة واستكمال وحدتها، وهي المرحلة التي جعلت من سنة 1956 لحظة مزدوجة للتحرر والتأسيس. وفي هذا السياق، تم إحداث الأمن الوطني يوم 16 ماي 1956 كجزء من استرجاع الدولة لوظائفها السيادية وبناء مؤسساتها الوطنية. وكان المقصود بالأمن آنذاك تجسيد سيادة الدولة المستقلة، عبر إنشاء جهاز وطني يتولى حفظ النظام العام باسمها، بعد مرحلة الحماية.
وبهذا المعنى، لم يكن تأسيس الأمن الوطني مجرد إجراء إداري، بل خطوة مؤسساتية تعكس الانتقال من شرعية التحرير إلى شرعية بناء الدولة. فقد كانت الحاجة ملحة إلى جهاز وطني يعوض البنيات الأمنية المرتبطة بالاستعمار، ويؤسس لحضور الدولة في الفضاء العام، ويجسد سيادتها بشكل عملي.
ومع الملك الحسن الثاني رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه ، انتقل مفهوم الأمن إلى مرحلة مختلفة، حيث لم يعد التحدي مقتصرا على التأسيس، بل أصبح مرتبطا بتثبيت أركان الدولة وضمان استمراريتها. وقد تميزت هذه المرحلة بسياق وطني وإقليمي خاص، طبعه استكمال الوحدة الترابية وتعزيز مناعة المؤسسات.
ففي عهده، استرجع المغرب سيدي إفني سنة 1969، ونُظمت المسيرة الخضراء سنة 1975، ثم استرجع وادي الذهب سنة 1979. ولم تكن هذه المحطات منفصلة عن مفهوم الأمن، بل أسهمت في ربطه بالاستقرار الاستراتيجي وحماية وحدة البلاد.
خلال هذه الفترة، اكتسب الأمن بعدا سياديا واضحا، إذ لم يعد يقتصر على حفظ النظام العام، بل أصبح مرتبطا بأمن الدولة في معناها الشامل، بما يشمل قدرتها على الحفاظ على توازنها الداخلي والدفاع عن مصالحها العليا. وهو ما منح المؤسسة الأمنية موقعا محوريا في ضمان الاستمرارية السياسية والوطنية.
أما في عهد الملك محمد السادس نصره الله وأيده ، فقد عرف مفهوم الأمن تحولا نوعيا، خاصة في علاقته بالمواطن. فمنذ بداية حكمه، تم طرح تصور جديد لوظيفة الدولة، يقوم على تحديث الإدارة وتعزيز الحكامة الجيدة. وقد تجسد ذلك في إعلان “المفهوم الجديد للسلطة” سنة 1999، الذي جعل من خدمة المواطن والإنصات له واحترام كرامته ركائز أساسية لممارسة السلطة.
هذا التحول لم يقتصر على الإدارة الترابية، بل شمل مختلف المرافق العمومية، بما فيها المؤسسة الأمنية، التي أصبحت مطالبة بالجمع بين فعالية التدخل واحترام الحقوق والحريات. ومن هنا برزت مفاهيم مثل الشرطة المواطنة وأنسنة العمل الأمني، بما يعزز الثقة بين المواطن والمؤسسة.
كما شهد هذا العهد توسيعا لمفهوم الأمن ليشمل أبعادا وقائية وفكرية، خاصة بعد أحداث 16 ماي 2003، حيث تم اعتماد مقاربة شمولية لمحاربة التطرف، تقوم على إصلاح الحقل الديني وتعزيز الأمن الروحي، إلى جانب الجهود الأمنية الميدانية.
وتكرس هذا التوجه في الخطابات الملكية التي أكدت على أن الأمن لا يقتصر على جانبه التقليدي، بل يرتبط بالتنمية وحقوق الإنسان والحكامة، مع جعل المواطن في صلب السياسات العمومية. كما تم التأكيد على ضرورة تحديث الجهاز الأمني، وتوفير الإمكانيات اللازمة له، مع الحرص على تخليقه وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا الإطار، تم التنويه بالدور الذي تضطلع به مختلف الأجهزة الأمنية في حماية استقرار البلاد، خاصة في مواجهة التهديدات الإرهابية، مع التشديد على أن ممارسة السلطة يجب أن تتم في إطار القانون وتحت رقابة القضاء.
وبذلك، يتضح أن تطور مفهوم الأمن في المغرب عبر هذه العهود لم يكن قائما على القطيعة، بل على التراكم. ففي عهد محمد الخامس، ارتبط الأمن ببناء الدولة المستقلة، وفي عهد الحسن الثاني تعزز دوره في حماية وحدة الدولة واستمراريتها، بينما في عهد محمد السادس اتسع ليشمل أبعادا جديدة ترتبط بالحكامة وحقوق الإنسان والوقاية والتحديث.
هذا المسار يعكس دينامية مستمرة في إعادة تعريف وظيفة الأمن، ضمن رؤية ملكية حافظت على الثوابت، وواكبت التحولات، وسعت إلى تحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار واحترام حقوق المواطنين في مجتمع يعرف تغيرات متواصلة.